Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١٦/ ٢٨٦

فأتوهُ فلمْ يجِدُوه، ووجَدوا امرأتَه، فقالوا: أين صاحبُكِ؟ فقالت: ذهَب يستعذِبُ لنا الماءَ من قناةِ بَني فلان. فلم يلبَثْ أن جاء بقِرْبةٍ يَزعَبُها (١) فوضَعها، ثم أتى رسولَ الله ﷺ فجعَل يلتزِمُه ويُفدِّيه بأبيه وأُمِّه، فانطلَق بهم إلى ظلٍّ، وبسَط لهم بساطًا، ثم انطلَق إلى نخلِه، فجاء بقِنْوٍ فوضَعه، فقال رسولُ الله ﷺ: "ألا تنقَّيْتَ لنا من رُطَبِه؟ ". فقال: أردتُ أن تتخيَّرُوا من رُطَبِه وبُسرِه. فأكَلوا ثم شرِبوا من الماء، فلمّا فرَغوا قال رسولُ الله ﷺ: "هذا والذي نفسي بيدِه من النعيم الذي أنتم عنه مسؤولونَ؛ هذا ظِلٌّ باردٌ، والرُّطَبُ الباردُ، عليه الماءُ الباردُ". ثم انطلَق يصنَعُ لهم طعامًا، فقال رسولُ الله ﷺ: "لا تذبَحْ ذاتَ دَرٍّ". قال: فذبَح لهم عَنَاقًا فأكَلوا، فقال رسولُ الله ﷺ: "هل لك من خادم؟ ". قال: لا. قال: "فإذا أتانا شيءٌ -أو قال: سَبْيٌ- فأْتِنا". قال: فجاء رسولَ الله ﷺ رأسانِ ليس لهما ثالثٌ، فأتاه -يعني أبا الهيثم- فقال له رسولُ الله ﷺ: "اختَرْ أحدَهما". فقال: يا رسولَ الله، خِرْ لي. قال رسولُ الله ﷺ: "المستَشارُ مُؤتمَنٌ، خُذْ هذا، فإنِّي رأيتُه يُصلِّي، واستوصِ به معروفًا". فأتى به امرأتَه، فحدَّثها بحديثِ رسولِ الله ﷺ، فقالت له امرأتُه: ما أنت ببالغ ما قال رسولُ الله ﷺ فيه حتى تُعتِقَه. قال: هو عَتيقٌ. فقال رسولُ الله ﷺ: "إنَّ اللهَ لم يبعَثْ نبيًّا ولا خليفةً إلّا له بِطانتانِ؛ بِطانةٌ تأمُرُه بالمعروفِ وتنهاه عن المُنكَر، وبطانةٌ لا تأْلُوه خَبالًا، ومَن يُوقَ بِطانةَ الشرِّ فقد وُقِيَ" (٢).