Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٦

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٢/ ١١٩

وفيه إيجابُ العمل بخبرِ الواحدِ العدلِ، وأنّه حجةٌ يلزَمُ العملُ بها والانقيادُ إليها؛ ألا تَرَى أنَّ عمرَ ﵁ قد أَشكَلَ عليه أمرُ المجوس، فلمّا حدَّثه عبدُ الرحمن بن عوفٍ عن النبيِّ ﵇، لم يَحتَجْ إلى غير ذلك وقَضَى به.

وأمّا قولُه: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب"، فهو من الكلام الذي خرَجَ مَخرَجَ العُمومِ والمرادُ به (١) الخُصُوصُ؛ لأنّه إنّما أراد: سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب في الجِزية. وعليها خرَجَ الجوابُ، وإليها أُشيرَ بذلك، ألا ترَى أن علماءَ المُسلمين مُجْتَمعون على ألّا يُسَنَّ بالمجوس سُنَّةُ أهل الكتاب في نِكاحِ نِسَائهم، ولا في ذبائحِهم، إلّا شيءٌ رُوِي عن سعيد بن المسيِّب، أنّه لم يَرَ بذبحِ المجوسيِّ لشاةِ المسلم إذا أمَره المُسلمُ بذبحِها بأسًا. وقد رُوِي عنه أنّه لا يَجُوزُ ذلك، على ما عليه الجماعةُ، والخبرُ الأولُ عنه هو خبرٌ شاذٌّ، وقد اجتمَع الفقهاءُ على خلافِه، وليست الجزيةُ من الذبائحِ في شيءٍ؛ لأنّ أخذَ الجزيةِ منهم صَغارٌ وذِلَّةٌ لكُفرِهم، وقد ساوَوا أهلَ الكتاب في الكُفْرِ، بل هم أشدُّ كُفرًا، فوجَب أن يُجْرَوا مُجْراهم في الذُّلِّ والصَّغَارِ وأخذِ الجزيةِ منهم؛ لأنّ الجزيةَ لم تُؤخذْ من الكتابيِّين رِفْقًا بهم (٢)، وإنّما أُخِذت منهم تقويةً للمُسلمين وذُلًّا للكافرين، فلذلك لم يَفترِقْ حالُ الكتابيِّ وغيرِه عندَ مالكٍ وأصحابِه الذين ذهَبوا هذا المذهبَ في أخذِ الجزيةِ من جميعِهم، للعلةِ التي ذكَرنا. وليس نكاحُ نسائِهم ولا أكلُ ذبائحِهم من هذا الباب؛ لأنّ ذلك مَكرُمةٌ بالكتابيِّين لموضع كتابِهم واتّباعِهم الرُّسلَ، فلم يَجُزْ أن يُلحقَ بهم مَن لا كتابَ له في هذه المكرُمة.

هذه جملةٌ اعتلَّ بها أصحابُ مالكٍ، ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين أنَّ الجزيةَ تُؤخَذُ من المجوس؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ أخَذ الجزيةَ من مجوسِ أهل البَحْرين، ومن مجوس هَجَرَ، وفعَله بعدَ رسول الله ﷺ أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ.