Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٣١

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١٤/ ٢٠٢

قال أبو عُمر: من أفضل ما يُحتجُّ به في أن القاضيَ لا يقضي بعلمِه، حديثُ مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ ﷺ بعَث أبا جهْم على صدقة، فلاجَّه (١) رجلٌ في فَرِيضة، فوقَع بينَهم شِجاجٌ، فأتَوا النبيَّ ﷺ وخبَّروه، فأعطاهم الأرْش (٢)، ثم قال: "إني خاطبٌ الناسَ، ومُخبرُهم أنكم قد رضِيتُم، أرضيتُم؟ ". قالوا: نعم، فصَعِد رسولُ الله ﷺ المنبرَ، فخطَب، وذَكَرَ القصَّةَ، وقال: "أرضيتُم؟ ". قالوا: لا. فهمَّ بهم المهاجِرونَ، فنزَل النبيُّ ﷺ فأعطاهُم، ثم صَعِد، فخطَب فقال: "أرضِيتُم؟ ". فقالوا: نعم (٣). وهذا بيِّنٌ؛ لأنه لم يؤاخِذْهم بعلمِه فيهم، ولا قضَى بذلك عليهم وقد عَلِم رِضَاهُم.

ومن حُجَّةِ مَن ذهَب إلى أن القاضيَ له أن يقضيَ بما علِمه، لأنَّ البيِّنة إنما تُعلِمْه بما ليس عندَه ليَعْلَمَه فيقضيَ به، وقد تكونُ كاذبةً وواهمةً، وعِلْمُه بالشيء أوكَدُ، وقد أجمَعوا على أن له أن يُعدِّلَ ويُسقِطَ العُدولَ بعِلْمِه، فكذلك ماعلِم صِحّتَه، وأجمَعوا أيضًا على أنَّه إذا علِم أن ما شهِد به الشُّهودُ على غيرِ ما شهِدوا به، أنَّه ينفِذُ علمَه في ذلك دونَ شهادتِهم ولا يقضي.