Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٣١

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١٤/ ٢٠١

وفي هذا الحديث من الفقه: أن البشرَ لا يعلَمون ما غُيِّب عنهم وسُتِر، من الضَّمائر وغيرِها؛ لأنّه قال ﷺ في هذا الحديث: "إنما أنا بَشَرٌ". أي: إني من البشَر، ولا أدري باطنَ ما تتحاكَمون فيه عندي وتختصِمون فيه إليَّ، وإنما أقضي بينَكم على ظاهرِ ما تقولون وتُدْلون به من الحِجَاج. فإذا كان الأنبياءُ لا يعلَمون ذلك، فغيرُ جائزٍ أن يصِحَّ دَعْوى ذلك لأحدٍ غيرِهم من كاهنٍ أو مُنجِّم، وإنما يعلَمُ الأنبياءُ من الغيبِ ما أعلِموا به بوجهٍ من وجوهِ الوحي.

وفيه أنّ بعضَ الناس أدرى بموقع الحُجّة وتصرُّف القولِ من بعض. قال أبو عُبيد (١): معنى قوله: "ألحنَ بحُجَّتِه"؛ يعني: أفطنَ لها وأجدَلَ بها. قال أبو عُبيد (٢): اللَّحَنُ بفتح الحاء: الفِطْنةُ واللَّحْنُ بالجزم: الخطأُ في القول.

وفيه أن القاضي إنما يَقْضي على الخَصْم بما يَسْمعُ منه من إقرارٍ، أو إنكارٍ، أو بيِّنات، على حَسَبِ ما أحكمَته السُّنةُ في ذلك، وفي ذلك ردٌّ وإبطالٌ للحُكم بالهَوى، قال الله ﷿: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ الآية [ص: ٢٦].

وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا بهذا الحديث في ردِّ حُكم القاضي بعلْمِه؛ لقوله: "فأقضيَ له على نحو ما أسمَعُ منه". ولم يقل: على نحوِ ما علِمتُ منه.

قال: وإنما تُعُبِّدْنا بالبينة أو الإقرار، وهو المسموعُ الذي قال فيه رسولُ الله ﷺ: "إنما أقضي على نحوِ ما أسمَعُ".

قال: والعِلّةُ في القضاءِ بالبيِّنة دونَ العلم التُّهْمةُ؛ لأنه يدَّعي ما لا يُعلمُ إلا من جهتِه، وقد أجمَعوا أنّ القاضيَ لو قتَل أخاه لعلمِه بأنه قتَل من لم يجبْ قتلُه من المسلمين لم يرِثْه، وهذا لموضعِ التُّهمَة، وأجمَعوا على أنَّه لا يقضي بعلمِه في الحدود.