Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٣

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١٤/ ٥٣

رسُلِه، لا يكلِّمُ به أحدٌ من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكنه يكونُ سرَّ غيبٍ بين اللَّه وبين رسُله، ومنه ما يتكلَّمُ به الأنبياء ولا يكتبونه، ولكنهم يُحدِّثون به الناسَ ويأمرونَهم بكتابِه ويُبيِّنون لهم أنّ اللَّه أمرَهم أن يُبيِّنوه للناس، ويُبلِّغوهم إيّاه.

ومنَ الوحْي ما يُرسل اللَّهُ مَنْ يشاءُ من ملائكتِه فيُوحِيه وحيًا في قلوب مَنْ يشاءُ من رُسُله، وقد بيَّن لنا في كتابه أنّه كان يُرسل جبريلَ إلى محمد ﵉ فقال في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقال ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].

وأما قولُه: "فيَفْصِمُ عنّي"، فمعناه: ينْفَرجُ عنّي ويذهَبُ، كما تفْصِمُ الخَلْخالَ إذا فتحْتَهُ لتُخرِجَه من الرِّجْل، وكلُّ عُقْدةٍ حللْتَها فقد فَصَمْتَها؛ قال اللَّه ﷿: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وانفصامُ العُروة: أن تنفَكَّ عن موضِعِها، وأصلُ الفصْم عندَ العرب: أن يُفَكَّ الخَلْخالُ ولا يَبِينَ كسرُهُ، فإذا كَسَرتَهُ، فقد قَصَمْتَه، بالقاف. قال ذو الرُّمَّة (١):

كأنَّه دُمْلُجٌ من فضّةٍ نَبَهٌ ... في ملْعَبٍ مِنْ عَذَارى الحَيِّ مفْصُومُ