التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
حديثٌ ثانيَ عَشَر لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "لا تقُومُ السّاعةُ حتَّى يمُرَّ الرَّجُلُ بقبرِ الرَّجُلِ، فيقول: يا لَيْتني مَكانَهُ".
قال أبو عُمر: قد ظنَّ بعضُ النّاسِ، أنَّ هذا الحديث مُعارِضٌ لنَهيِهِ ﷺ عن تمنِّي الموتِ، بقولِهِ ﷺ: "لا يَتَمنَّينَّ أحدُكُمُ الموتَ لضُرٍّ نزلَ به" (٢). قال: وفي هذا الحديثِ (٣) إباحَةُ تمنِّي الموتِ.
وليس كما ظنَّ، وإنَّما هذا خَبرٌ أنَّ ذلك سيكونُ، لشِدَّةِ ما ينزِلُ بالنّاسِ من فسادِ الحالِ في الدِّينِ، وضعفِهِ، وخَوفِ ذهابِهِ (٤)، لا لضُرٍّ يَنْزِلُ بالمُؤمِنِ في جِسمِهِ.
وأمّا قولُهُ ﷺ: "لا تقُومُ السّاعةُ حتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بقبرِ الرَّجُلِ، فيقول: يا لَيْتني مكانَه (٥) ". فإنَّما هُو خَبرٌ عن تَغيُّرِ الزَّمان، وما يحدُثُ فيه من المِحَنِ، بالبَلاءِ (٦) والفِتَنِ.
وقد أدركنا ذلك الزَّمانَ، كما شاءَ الواحِدُ الرحمن (٧) لا شرِيكَ لهُ، عصَمَنا الله، ووفَّقنا، وغفرَ لنا، آمِينَ.