Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ١٣

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١١/ ١٢٦

ويُوقِفَهُم عليه، وَيَمْنعَهُم منهُ، ويُعَلِّمَهُم ذلك كلَّهُ، لقولِ اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.

قالوا: فإذا علِمَ الرَّجُلُ المُسلِمُ ما جاءَ عن رسُولِ اللَّه ﷺ في النِّياحةِ على الميِّتِ، والنَّهي عنها، والتَّشديدِ فيها، ولم يَنْهَ عن ذلك أهلهُ، ونِيحَ عليه بعدَ ذلك، فإنَّما يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه؛ لأنَّهُ لم يَفْعل ما أُمِر به من نَهْي أهلِهِ عن ذلك، وأمرِهِ إيّاهُم بالكَفِّ عنهُ، وإذا كان ذلك كذلك، فإنَّما يُعذَّبُ بفِعلِ نَفسِهِ وذَنبِهِ، لا بذَنْب غيرِهِ، وليسَ في ذلك ما يُعارِضُ قولَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. وكان ما رَواهُ عُمرُ، وابنُ عُمرَ، والمُغيرةُ، وغيرُهُم، صحيحَ المعنى، غيرَ مدفُوع، وباللَّه التَّوفيقُ.

وقال المُزنيُّ (١): بَلَغني أنَّهُم كانوا يُوصُونَ بالبُكاءِ عليهم، أو بالنِّياحةِ، أو بهما، وهي مَعْصيةٌ، ومن أمَرَ بها، فعُمِلَتْ بعدهُ، كانت لهُ ذنبًا، فيجُوزُ أن يُزادَ بذنبِهِ عذابًا، كما قال الشّافِعيُّ، لا بذنبِ غيرِهِ.

قال أبو عُمر: وأمّا البُكاءُ بغيرِ نِياح، فلا بأسَ به عندَ جماعةِ العُلماءِ، وكلُّهُم يكرهُونَ النِّياحةَ، ورفعَ الصَّوتِ بالبُكاءِ والصُّراخ.

والفَرْقُ في ذلك عندَهُم بيِّن، بيَّنَ ذلك ما مَضَى في هذا البابِ من الآثارِ في النِّياحةِ، ولَطْم الخُدُودِ، وشقِّ الجُيُوبِ، مع قولِهِ ﷺ إذ بَكَى على ابنِهِ إبراهيمَ: "تَدْمعُ العينُ، وَيَحْزنُ القَلْبُ، ولا نَقولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ". رواهُ ثابتٌ، عن أنَسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢).