Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٥٨

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٩/ ٥٣٢

قال أبو عُمر: هذه جُملةُ ما احتجَّ به القائلُونَ بأنْ لا تُصلَّى صَلاةُ الخوفِ بإمام واحدٍ لطائفتين، بعدَ النَّبيِّ ﷺ.

ومِن الحُجَّةِ عليهم لسائرِ العُلماءِ، أنَّهُ لمّا كان قولُ الله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] لا يُوجِبُ الاقتِصارَ على النَّبيِّ ﷺ وحدَهُ، وأنَّ من بعدَهُ يقومُ في ذلك مقامَهُ، فكذلك قولُهُ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ سواءٌ. ألا ترَى أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيق في جماعةِ الصَّحابةِ قاتَلُوا من تأوَّل في الزَّكاةِ، مِثلَ تأويلِ هؤُلاءِ في صَلاةِ الخَوْفِ؟

قال أبو عُمر: ليسَ في أخذِ الزَّكاةِ التي قدِ اسْتَوى فيها النَّبيُّ ﷺ ومن بعدَهُ من الخُلفاءِ، ما يُشبِهُ صَلاةَ من صلَّى خلفَ النَّبيِّ ﷺ، وصلَّى غيرُهُ خلفَ غيرِهِ؛ لأنَّ أخذَ الزَّكاةِ، فائدتُها توصيلُها للمساكينِ، وليسَ في هذا فضلٌ للمُعطَى، كما في الصَّلاةِ فَضْلٌ للمُصلِّي خلفَهُ.

وأمّا مُراعاةُ القِبْلةِ للخائفِ في الصَّلاةِ، فساقِطةٌ عنهُ عندَ أهلِ المدينةِ، والشّافِعيِّ (١)، إذا اشتدَّ خَوْفُهُ، كما يسقُطُ عنهُ (٢) النُّزولُ إلى الأرضِ، لقولِ الله ﷿: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. قال ابن عُمر: مُسْتقبِلي القِبلةِ، وغيرَ مُستقبِليها. وهذا لا يجُوزُ لمُصلِّي الفَرْضِ في غيرِ الخَوْفِ.

ومِن الدَّليلِ على أنَّ ما خُوطِبَ به النَّبيُّ ﷺ دخلت فيه أُمَّتُهُ، إلّا أن يتبيَّنَ خُصُوصٌ في ذلك، قولُ الله ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٣٧]. ومِثلُ ذلك قولُ الله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾