Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٥٨

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٩/ ٥٣١

وفي صَلاةِ رسُولِ الله ﷺ في الخَوْفِ بأصحابِهِ رَكْعةً ركعةً، وأتمَّت كلُّ طائفةٍ لأنْفُسِها (١)، دليل على أنَّ حديثٌ جابرٍ في قِصَّةِ مُعاذٍ -وصلاتِهِ بقَومِهِ، بعدَ صَلاتِهِ مع النَّبيِّ ﷺ (٢) تلكَ الصلاةَ -منسُوخٌ، لأنَّهُ لو جازَ أن تُصلَّى الفَرِيضةُ خلفَ المُتنفِّلِ، لصلَّى بهم رسُولُ الله ﷺ رَكْعتينِ رَكْعتينِ، والله أعلمُ.

قدِ احتجَّ بهذا أبو الفَرج، وغيرُهُ من أصحابِنا، ومن الكُوفيِّين أيضًا، إلّا (٣) أنَّهُ يَعترِضُ عليهم حديثُ أبي بَكْرةَ، وحديثُ جابرٍ، وفي ذلك نظرٌ، وبالله التَّوفيقُ.

وقالت طائفة من أهلِ العِلْم، منهُم أبو يوسُف، وابنُ عُليَّةَ: لا تُصلَّى صَلاةُ الخَوْفِ بعدَ النَّبيِّ ﷺ بإمام واحدٍ، وإنَّما تُصلَّى (٤) بإمامَيْنِ، يُصلِّي كلُّ إمام بطائفةٍ رَكْعتينِ، واحتجُّوا بقولِ الله ﷿: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآيةَ [النساء: ١٠٢].

قالوا: فإذا لم يكُن فيهمُ النَّبيُّ ﷺ لم يكُن ذلك لهم، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ليسَ

كَغير في ذلك، ولم يَكُن من أصحابِهِ من يُؤثِرُ بنَصيبِهِ منهُ غيرَهُ، وكلُّهُم كان يُحِبُّ أن يأتَمَّ به ويُصَلِّي خلَفهُ، وليسَ أحَدٌ بعدَهُ يقومُ في الفَضْلِ مقامَهُ، والنّاسُ بعدهُ تَسْتوي أحوالُهُم، أو تتقاربُ، فلذلكَ يُصلِّي الإمامُ بفريق منهُم، ويأمُرُ من يُصلِّي بالفَريقِ الآخرِ، وليسَ بالنّاسِ اليومَ حاجةٌ إلى صَلاةِ الخَوْفِ، إذا كان لهم سَبيلٌ أن يُصلُّوا فوجًا فوجًا، ولا يَدَعُوا فرضَ القِبْلةِ ولهم إليها سبيلٌ.