التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
أجمع أهلُ الفقه والحديث على أنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ، ولا عَمَل إلّا بنيّة، والإيمانُ عندَهم يَزيدُ بالطاعة وَينقُصُ بالمعصية، والطاعاتُ كلُّها عندَهم إيمانٌ (١)، إلّا ما ذُكِر عن أبي حنيفةَ وأصحابه، فإنّهم ذهَبوا إلى أنَّ الطاعاتِ لا تُسمَّى إيمانًا، قالوا: إنّما الإيمانُ: الإقرارُ والتَّصديقُ (٢). ومنهم مَن زاد: والمعرفةُ. قالوا: وهو المعروفُ من لسانِ العربِ ومن السُّنّةِ المجتَمَع عليه، ألا تَرى إلى قولِ الله ﷿ حاكيًا عن بني يعقوبَ ﵇: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] أي: بمصدِّق (٣) لا.
قالوا: وإنّما أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ حينَ بعَثه إلى الخَلْقِ أن يَدعُوَهم إلى الإيمانِ به، ولهم الجنةُ على ذلك، فدَعاهم إلى شهادةِ أن لا إلهَ إلّا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، يقولون ذلك، ويُقِرُّون به، ويُصدِّقُونَه فيما جاء به، فكان كلُّ مَن قال ذلك وصَدَّقَ به مُؤمنًا مُستكْمِلَ الإيمان، ثم نزَلَتِ الفرائضُ بعدَ ذلك، وكلُّ مَن مات من الصحابة ﵁ قبلَ نزولِ الفرائض، وقبلَ عَمَلِها، كان مُؤمنًا لا محالة، كاملَ الإيمان. قالوا: فالطاعاتُ لا تُسمَّى إيمانًا، كما أنَّ المعاصيَ لا تُسمَّى كُفرًا. وذكَر بعضُهم حديثَ النبيِّ ﵇ إذ سُئِل عن الإيمانِ فقال: "أن تُؤمِنَ باللّه، وملائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، والبَعْثِ بعدَ الموت، والقدرِ خيره وشرِّهِ" (٤).
واحْتَجُّوا منَ الآثارِ المرفوعةِ إلى النبيِّ ﷺ في ذلك: بما حَدَّثَنَا عبدُ الوارث بنُ