Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٢

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٦/ ٢٥٥

ولم يكنْ له ولا لأصحابه عمالٌ يعملونَها ويزرَعونَها، فدعا يهودَ خَيْبر وقد كانوا أُخرجوا منها، فدَفَع إليهم خَيْبرَ على أنَّ يعمَلوها على النِّصف يؤدُّونَه إلى النَّبيِّ ﷺ، وقال لهم: "أُقِرُّكم على ذلك بما أقَرَّكمُ اللهُ" فكان يبعَثُ إليهم عبدَ الله بنَ رَواحةَ فيَخرُصُ النَّخلَ حين يَطِيبُ أولُه، ثُم يُخيِّرُ يهودَ يأخُذونَها بذلك الخَرْص أو يدفعونَها بذلك الخَرْص، وإنّما كانَ رسولُ الله ﷺ أمرَ بالخَرْص في ذلك لكي تُحصى الزّكاةُ في ذلك قبلَ أن تؤكَلَ الثمرة (١).

وفيه مِن الفقهِ: إثباتُ خبرِ الواحدِ، ألا ترى أنَّ عبدَ الله بنَ رواحةَ قدِم على أهلِ خيبرَ وهو واحدٌ، فأخبرَهم عن النبيِّ ﷺ بحكم كبيرٍ في الشريعةِ، فلم يقولوا له: إنَّك واحدٌ لا نُصدِّقُك على رسولِ الله ﷺ. ولو كان خبرُه وحدَه لا يجبُ به الحكمُ، ما بعَثه رسولُ الله ﷺ وحدَه.

وفيه: أنَّ المؤمنَ (٢) وإنْ أبغَض في الله، لا يحمِلُه بغضه على ظُلم مَن أبغضَه، والظَّالم نفسَه يظلمُ، قال ﷺ: "الظُّلمُ ظُلمات يومَ القيامةِ" (٣).

وفيه: دليل على أنَّ كلَّ ما أخذَهُ الحاكمُ والشاهدُ على الحكم بالحقِّ أو الشَّهادةِ بالحقِّ سُحتٌ، وكلُّ رِشوةٍ سُحتٌ، وكلُّ سُحتٍ حرامٌ، ولا يحلُّ لمسلم أكلُه، وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ علماء المسلمينَ. وقال جماعةُ أهلِ التَّفسيرِ في قولِ الله ﷿: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، قالوا: السُّحتُ: الرِّشوةُ في الحكم (٤). وقيل: السُّحتُ كلُّ ما لا يحلُّ كسبُه (٥).