التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
وأمَّا قولُ محمدِ بنِ عمرٍو: إنَّ أبا القُعَيْسِ. فأظُنّه وهمًا، وابنُ شهابٍ فيما نقَل مِن ذلك لا يُقاسُ به غيرُه في حفظه وإتقانِه، فلا حُجَّةَ فيما نزَع به هذا القائِلُ، وكذلك لا حجَّةَ في حديثِ القاسم، عن عائشةَ؛ لأن لها أن تأْذَنَ لمَن شاءَتْ مِن ذوي محارمِها، وتَحجُبَ مَن شاءَتْ، ولو صَحَّ عنها هذا وذاك، لكان المصيرُ إلى السُّنةِ (١) أولى؛ لأن السنةَ لا يَضُرُّها مَن خالفها، والمصيرُ إليها أوْلى، كما صار مَن خالفها في هذه المسألةِ إلى ما رَوَتْه في فَرْضِ الصلاةِ وقَصْرِها، ولم يَصِرْ إلى إتمامِها هي في السفَر. ونحن لا نعلَمُ أن عائشةَ حَجَبتْ مَن حَجَبَتْ ممَّن جرَى ذكرُه في حديثِ القاسِم إلَّا بخبرِ واحِدٍ عن واحد، وبمثلِ ذلك عَلِمْنا حديثَ النبيِّ ﷺ في قصةِ أبي القُعَيْس، فوَجَب علينا العملُ بالسُّنةِ إذا نقَلها العُدولُ، ولم يَجزْ لنا تَرْكُها بغيرِ سُنَّة، فافْهَم.
وقد رُوِي عن النبيِّ ﷺ ما يُوافِقُ حديثَ أبي القُعَيْس، وهو قولُه ﷺ: "يحرُمُ مِن الرضاعةِ مما يحرُمُ من الولاهة". و: "يحرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يحرُمُ مِن النَّسَب". رواه سعيدُ بنُ المسيِّب، عن عليِّ بنِ أبي طالب، عن النبيِّ ﷺ (٢).
ورواه مالكٌ (٣)، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن سليمانَ بنِ يسار، عن عروةَ، عن عائشة.