التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
وأمّا قولُه في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، فالإجماعُ والاتِّفاقُ قد بيَّن المرادَ بأنه معبودٌ من أهلِ الأرض (١)، فتدبَّرْ هذا، فإنَّه قاطعٌ إنْ شاء الله.
ومن الحُجَّةِ أيضًا - في أنَّه ﷿ على العرش فوقَ السمواتِ السَّبع -: أنَّ الموحِّدِين أجمَعين، من العربِ والعجم، إذا كرَبهم أمرٌ، أو نزَلت بهم شِدَّةٌ، رفَعوا وُجوهَهم إلى السماءِ يَسْتَغيثون رَبَّهم ﵎. وهذا أشهرُ وأعرَفُ عندَ الخاصَّة والعامَّة من أن يُحتاجَ فيه إلى أكثرَ من حكايَتِه؛ لأنَّه اضطرارٌ لم يؤنِّبْهم عليه أحدٌ، ولا أنكَرَه عليهم مسلمٌ (٢)، وقد قال ﷺ للأمَة التي أرادَ مولاها عِتْقَها إن كانت مؤمِنَةً، فاختبرَها رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - بأنْ قال لها: "أينَ اللهُ؟ "، فأشارَت إلى السماء، ثم قال لها: "مَن أنا؟ "، قالت: رسولُ الله، قال: "أعتِقْها، فإنَّها مُؤمِنَةٌ". فاكتَفَى رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - منها برفعِها رأسَها إلى السماء، واستَغْنَى بذلك عمّا سِواه.
أخبَرنا عبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا أبو المغيرةِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن هلالِ بنِ أبي ميمونةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن معاويةَ بنِ الحكم، قال: اطَّلَعْتُ غُنيمةً لي ترعاها جاريةٌ لي في ناحيةِ أُحُدٍ، فوجَدْتُ الذِّئْبَ قد أصابَ شاةً منها، وأنا رجلٌ من بني آدمَ، آسَفُ كما يأسَفون، فصَكَكتُها صَكَّةً، ثم انصرَفتُ إلى النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - فأخبَرتُه، فعظَّمَ ذلك (٣) عليَّ. قال: فقلتُ: يا رسولَ الله، فهَلّا أُعْتِقُها؟ قال: "فائْتِني بها".