التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
لو عَقَلُوا أو أنصَفُوا؟ أمَا سَمِعوا اللهَ ﷿ حيثُ يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فدلَّ على أنَّ موسى ﵇ كان يقول: إلهي في السماء. وفرعونَ يظُنُّه كاذبًا:
فسبحانَ مَن لا يقدُرُ الخلقُ قَدْرَه ... ومَن هو فوقَ العرشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
مَلِيكٌ على عرشِ السماءِ مُهَيْمِنٌ ... لعِزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
وهذا الشعرُ لأميّةَ بنِ أبي الصَّلْت (١).
قال أبو عُمر: فإن احتجوا بقولِ الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، وزعَموا أنَّ اللهَ ﵎ في كلِّ مكانٍ بنفسِه وذاتِه ﵎. قيل لهم: لا خلافَ بينَنا وبينَكم وبينَ سائرِ الأمَّة أنَّه ليس في الأرضِ دونَ السماءِ بذاتِه، فوجَبَ حَملُ هذه الآياتِ على المعنى الصحيح المُجتَمَع عليه، وذلك أنَّه في السماءِ إلهٌ معبودٌ من أهلِ السماء، وفي الأرض إلهٌ معبودٌ من أهلِ الأرض (٢). وكذلك قال أهلُ العلم بالتفسير، فظاهرُ التنزيل يشهَدُ أنَّه على العرش، والاختلافُ في ذلك بينَنا فقط، وأسعدُ الناس به مَن ساعَدَه الظاهرُ.