Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ١

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٤/ ١٠٥

ويسُرَّك. فمعنى "تَدابَروا"، و"تَقاطَعوا"، و"تَباغَضوا"، معنًى متداخلٌ متقاربٌ، كالمعنى الواحدِ في النَّدبِ إلى التَّواخي والتَّحابِّ، فبذلك أمَر رسولُ الله ﷺ في معنَى هذا الحديثِ وغيرِه، وأمرُ رسولِ الله ﷺ على الوجوبِ حتى يأتيَ دليلٌ يُخرِجُه إلى معنَى النَّدبِ.

وهذا الحديثُ وإن كان ظاهِرُه العمومَ، فهو عندي مخصوصٌ بحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، حيثُ أمَر رسولُ الله ﷺ أصحابَه أنْ يَهجُروه ولا يُكلِّموه، هو، وهِلالَ بنَ أُميَّةَ، ومُرارةَ بنَ رَبيعةَ؛ لتَخلُّفِهم عن غزوَةِ تَبوكَ، حتى أنزَل اللهُ ﷿ توبتَهم وعُذْرَهم، فأمَر رسولُ الله ﷺ أصحابَه (١) أن يُراجِعوهم الكلامَ (٢). وفي حديثِ كعبٍ هذا ما دليلٌ (٣) على أنّه جائزٌ أن يهجُرَ المرءُ أخاه إذا بدَتْ "له" منه بِدْعةٌ أو فاحشةٌ، يرجو أن يكونَ هِجرانُه تأديبًا له، وزجرًا عنها، واللهُ أعلم.

وكذلك قولُه أيضًا في هذا الحديثِ: "لا تحاسَدوا" يقتضي النهيَ عن التحاسُدِ، وعن الحسَدِ في كلِّ شيءٍ، على ظاهِرِه وعُمومِه، إلّا أنّه أيضًا عندي مخصوصٌ بقولِه ﷺ: "لا حسَدَ إلّا في اثنتين، رجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا، فهو يُنفِقُه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ"، هكذا رواه عبدُ الله بنُ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ.