Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٤٥

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٣/ ٦٨٠

قالوا: وقد يَحتمِلُ أن يكونَ قولُ النبيِّ ﷺ: "إنَّهم لا يَسْتَرقُون، ولا يَكْتَوون" أن يكونَ قصَد إلى نوع من الكيِّ مكروهٍ منهيٍّ عنه، أو يكونَ قصَد إلى الرُّقَى بما ليس في كتابِ الله، ولا من ذِكْرِه. وقد جاءَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ كراهيةُ الرُّقيةِ بغيرِ كتابِ الله، وعلى ذلك العلماءُ، وأباحَ لليهوديَّةِ أن تَرقِيَ عائشةَ بكتابِ الله (١).

قال أبو عُمر: هذا كلُّه قد نزَع به أو ببعضِه مَن قصَد إلى الرَّدِّ على القولِ الأوَّلِ. والذي أقولُ به أنَّه قد كان من خيارِ هذه الأُمَّةِ وسَلَفِها وعلمائِها، قومٌ يَصبِرون على الأمراضِ حتى يَكشِفَها اللهُ، ومعهم الأطبَّاءُ، فلم يُعابوا بتَرْكِ المعالجةِ، ولو كانتِ المعالجةُ سُنَّةً من السُّننِ الواجبةِ، لكان الذَّمُّ قد لحِق مَن تَرَك الاسترقاءَ والتَّداويَ، وهذا لا نعلمُ أحدًا قاله، ولكان أهلُ الباديةِ والمواضع النائيةِ عن الأطبَّاءِ، قد دخَل عليهم النَّقصُ في دينِهم لِتَرْكِهم ذلك، وإنَّما التَّداوي، واللهُ أعلمُ، إباحةٌ، على ما قدَّمنا؛ لِمَيلِ النفسِ إليه، وسُكونِها نحوَه، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، لا أنَّه سُنَّةٌ، ولا أنَّه واجبٌ، ولا أنَّ العلمَ بذلك علمٌ موثوقٌ به لا يُخالَفُ؛ بل هو خَطَرٌ (٢) وتجربةٌ موقوفةٌ على القَدَرِ، واللهَ نسألُه العِصمةَ والتوفيقَ. وعلى إباحةِ التَّداوي والاسترقاءِ جمهورُ العلماءِ.