Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٤١

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٣/ ٥٨٣

وأبَى (١) جمهورُ أهلِ الأدبِ والعلم بلسانِ العربِ إلَّا أن يجعَلُوا قولَه ﷺ: "إن من البيانِ لَسِحْرًا" مَدْحًا وثناءً وتَفْضِيلًا للبيانِ وإطْرَاءً، وهو الذي تَدُلُّ عليه سِياقَةُ الخبرِ ولفْظُه، على ما نُورِدُه في هذا البابِ إن شاء اللهُ.

روَى عليُّ بنُ حَرْبٍ الموْصِليُّ، عن أبي سَعيدٍ (٢) الهيثم بنِ مَحْفُوظٍ، عن أبي المقَوّم يحيى بنِ ثَعْلَبةَ الأنصاريِّ، عن الحَكمِ (٣)، عن مِقْسَمٍ (٤)، عن ابنِ عباسٍ، قال: اجتمَع عندَ النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قيسُ بنُ عاصمٍ، والزِّبْرِقانُ بنُ بَدْرٍ، وعمرُو بنُ الأَهْتَمِ، ففخَر الزِّبْرِقَانُ، فقال: يا رسولَ الله ﷺ، أنا سَيِّدُ تَمِيمٍ، والمطَاعُ فيهم، والمجَابُ منهم، آخُذُ لهم بحُقُوقِهم، وأمْنَعُهم من الظلم، وهذا يَعْلَمُ ذلك. يعْنِي عمرَو بنَ الأَهْتَمِ. فقال عمرو: وإنه لشَدِيدُ العارِضةِ (٥)، مانِعٌ لجانبِه، مُطَاعٌ في أدَانِيه (٦). فقال الزِّبرِقَانُ: والله لقد كذَب يا رسولَ الله، وما يَمْنَعُه أن يتَكَلَّمَ إلَّا الحسدُ. فقال عمرو: أنا أحْسُدُكَ! فوَ الله لبئيسُ الخالِ، حديثُ المالِ، أحْمَقُ الوالدِ، مُبْغَضٌ في العشير، والله يا رسولَ الله ما كذَبْتُ فيما قُلْتُ أولًا، ولقد صدَقْتُ فيما قُلْتُ آخِرًا؛ رَضِيتُ فقُلْتُ أحسنَ ما عَلِمْتُ، وغَضِبْتُ فقلتُ أقْبَحَ ما وَجَدْتُ، ولقد صدَقْتُ في الأمْرِيْنِ جميعًا. فقال النبيُّ ﷺ: "إن من البيانِ لسحرًا، إن من البيانٍ لسحرًا (٧) " (٨).