Skip to content

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم المسألة الأولى وهي: قول السائل: قد اشتهر عندكم بأن أهل الكتابين ما منعهم من الدخول في الإسلام إلا الرئاسة والمأكلة لا غير

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط دار القلم

ابن القيم

Printed page ١/ ٢٥١

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ ... عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إِلَيْهِ وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَا مِنَ الْعَشِيِّ، فَسَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ لِأَبِي: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ؟، قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ، قَالَ: عَدَوَاتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ.... فَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ مَعْرُوفَةٌ بِعَدَاوَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، وَأَسْلَافُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷾ عَنْ أَذَاهُمْ لِمُوسَى، وَنَهَانَا عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا.

وَأَمَّا خَلَفُهُمْ فَهُمْ قَتَلَةُ الْأَنْبِيَاءِ الْيَهُودُ: قَتَلُوا زَكَرِيَّا وَابْنَهُ يَحْيَى، وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى قَتَلُوا فِي يَوْمٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَأَقَامُوا السُّوقَ فِي آخِرِ النَّهَارِ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا. وَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ الْمَسِيحِ وَصَلْبِهِ فَصَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَكْرَمَهُ أَنْ يُهِينَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَأَلْقَى شَبَهَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. وَرَامُوا قَتْلَ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَاللَّهُ يَعْصِمُهُ مِنْهُمْ.

وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ لَا يَكْثُرُ عَلَيْهِمُ اخْتِيَارُ الْكُفْرِ عَلَى الْإِيمَانِ لِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، أَوْ سَبَبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا اتِّفَاقَ أُمَّةِ الضَّلَالِ وَعُبَّادِ الصَّلِيبِ عَلَى مَسَبَّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَقْبَحَ مَسَبَّةٍ، وَعَلَى مَا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، لَمْ يَكْثُرْ عَلَى تِلْكَ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ أَنْ تَسُبَّ بَشَرًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَجْحَدَ نُبُوَّتَهُ، وَتُكَابِرَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ الْعَقْلِ مِنْ صِدْقِهِ وَصِحَّةِ رِسَالَتِهِ، فَلَوْ قَالُوا فِيهِ مَا قَالُوا لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ قَوْلِهِمْ فِي رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ الَّذِي صَارُوا فِيهِ ضِحْكَةً بَيْنَ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ.