Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ٢/ ٨٤٦

وأمَّا إن سَلَّمنا أنَّ الأمرَ في الآية مُوَجَّه في أصله إلى إبراهيم ﵇ وأتباعِه، أو أنَّها بصيغة الإخبار: فيكون حديثُ عمر ﵁ هنا دَالًّا على فضلِ اقتداءِ المسلمين بمِلَّةِ إبراهيمَ في هذه الشَّعيرة وغيرها، بل هو الموافق للأصلِ القرآنيِّ، في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].

وبهذا يُعلَم وِفاقُ حديث عمر للآية على كِلا التَّفسيرين والقراءتين.

وأمَّا دعوى المعترضِ التَّناقضَ بين الرِّواياتِ في سببِ نزولِ آية الحجاب، فيُقال في جوابِه: أنْ ليسَ ثمَّةَ تعارضٌ في الحقيقة بين تلك الأخبارِ، وأبْيَنُ طريقٍ للجمعِ بينها: أن يُقالَ بتعدُّدِ أسباب نزولِ الآيةِ ولا بأسَ، فيكون خبرُ قصَّةِ زينب ﵂ هي آخر هذه الرِّواياتِ حدوثًا، للنَّصِ على قصَّتها في الآية الكريمة، وكذا حديث أنس ﵁.

ولا مانعَ مع ذلك أن تكون الآية نزلت بعدَ المجموعِ، وكان ذلك سنةَ خمسٍ مِن الهجرة، وليس ببِدعٍ أن يكونَ للآيةِ الواحدةِ عدَّةُ أسبابٍ مُستويةِ الدَّرجة، أو بعضُها أقرب مِن بعضٍ (١)، فيَنسِبُ الرَّاوي النُّزولَ إلى سببٍ منها دون الآخر، باعتبارِ القُربِ منه، ولا يكون القصدُ أنَّها نَزلت فورَ وقوعِ ذلك السَّبَب.

وفي تقريرِ سَواغِ هذا الجمعِ، يقول ابن حجر: «يُمكن الجمع بأنَّ ذلك وَقَع قبل قصَّةِ زينب، فلِقُربِه منها أَطلَقت -يعني عائشة- نزولَ الحجابِ بهذا السَّبب -يعني قصَّة سَودة-، ولا مانعَ مِن تعدُّدِ الأسبابِ» (٢).

فالحاصل: أنَّ عمرَ ﵁ كان مُلِحًّا في حجبِ أمَّهاتِ المؤمنين، و «النَّبي ﷺ كان ينتظِر الوحيَ في الأمورِ الشَّرعيَّة، ولذا لم يأمرهُنَّ بالحجابِ مع وضوحِ الحاجةِ إليه» (٣)، فلم يزَل ذلك عنده إلى أن نَزَل الحجاب (٤).