Skip to content

تفسير العثيمين: الروم الآية (٩)

تفسير العثيمين: الروم

ابن عثيمين

Printed page ٥٠

عامًّا: (فِي السّمَوَاتِ والأرْض ومَا بَيْنَهُما)، وَهَذا السّيْرُ لأمْرٍ مخصُوصٍ، أي الحوادِثِ، أنْ ينْظُروا كيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِين مِنْ قبْلِهِمْ، فيَشْمَلُ السّيْرَ بالقدَمِ، والسّيْرَ بالفكْرِ والفهْمِ، عَلَى القوْلِ بأنَّه سيْرُ أقْدَامٍ يكُونُ السّيْرُ حسِّيًّا، وعَلى الثّاني يكُونُ معنَوِيًّا، فيَشْمَلُ السّيْرَ الحسِّيَّ والسّيْرَ المعْنَوِيَّ.

إِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيْفَ تطْلُبونَ مِنَ الإنسان أنْ يسيِرَ بقَدَمِه إِلَى مَواقِعِ العذابِ وقَدْ نَهى النّبيّ ﵊ أَنْ ندْخُلَ مواقِعَ العقَابِ إلا ونحْنُ بَاكُونَ؟

قُلْنَا: لا تعارُضَ؛ لأَنَّ هَذا هُو المقْصُودُ، فالسّيْرُ إِلَى موَاقِعِ العذابِ المقْصُودُ بِه الاتِّعاظُ والانْزِجارُ، وَهَذا يتحَقَّقُ بالبكاءِ، وَلِهَذا نَهى النّبيُّ ﵊ أنْ ندْخُل دِيَارَ ثَمُودَ إلا ونَحْنُ بَاكُونَ، وقَالَ: "إِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا" (١)، وبعْضُ النّاسِ يذْهَبُ إِلَى دِيَارِ ثمُودَ عَلَى سبِيلِ النّزْهةِ والطّرَبِ والتّمتُّعِ بالمنَاظِرِ، وَلِهَذا يأْخُذُونَ لها صُوَرًا؛ إعْجابًا بها لا خوفًا، وَهَذا مِنْ قسْوَةِ القلْبِ - والعياذُ باللهِ -، والجهْلِ بِمَا جَاء بِهِ النّبيّ ﷺ؛ لأَنَّ غالب هَؤُلاءِ الَّذِين يذْهَبُون لِهَذا المقْصَدِ يَكُونُونَ جاهِلِينَ، ولَا نَقُولُ: إِنَّ كلَّهم عنْدَهم قسْوَةُ قلْبٍ تعمَّدوا مخالفةَ الحقِّ، لكنَّنا نقُولُ أنَّ عنْدَهم شيْئًا مِنَ الجهْلِ أوِ الغالب عليْهِمُ الجهْلُ، وإلا لا يُمْكِنُ أنْ يفرَحَ أحدٌ في مكَانٍ نَهى الرّسُولُ ﵊ عنْ دُخُولِه إلا في حَالِ البكاءِ، وإلا فَإنَّ الإنسان الَّذي لا يعْرِفُ مِن نفْسِه اَنه إِذا ذَهَبَ سيتَأثَرُ حتّى يَبْكي لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يدْخُلَ؛ لأَنَّ النّبيّ ﷺ نَهى عَنْ ذَلِك.