Skip to content

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين فصل

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

الراغب الأصفهاني

Printed page ٦٨

تلك اللذات من أفهام الكافة شبهَّها ومثَّلها لهم بأنواع ما تدركها حواسهم فقال تعالى: (مثَل الجنة التي وُعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهارٌ من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) . ليبين للكافة طيبها بما عرفوه من طيب المطاعم وقال: (مثل الجنة التي وُعد المتقون) . ولم يقل الجنة لينبه الخاصة على أن ذلك تصوير وتمثيل، فالإنسان وإن اجتهد ما اجتهد أن يطلع على تلك السعادة فلا سبيل له إليها إلاّ على أحد وجهين: أحدهما أن يفارق هذا الهيكل، ويخلّف وراءَه هذا المنزل فيطلع على ذلك كما قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا وإنا منتظرون) . والثاني أن يزيل قبل مفارقة الهيكل الأمراض النفسانية المشار إليها بوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) وأرجاسها المشار إليها بقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) فيطلع من وراءِ ستر رقيق على بعض ما أعد له كما حكي عن حارثة حيث قال للنبي ﷺ عزفت نفسي من الدنيا فكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً وأطلع على أهل الجنة يتزاورون وعلى أهل النار يتعاوَوْن فقال له النبي ﷺ: " عرفت فالزم " وقال أمير المؤمنين عليٌّ ﵇: " لو كُشف الغِطاء ما ازددتُ يقيناً ".