Skip to content

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام [حديث من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله]

إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام

ابن دقيق العيد

Printed page ٢/ ٣٢٠

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكَلَامِ وَسِيَاقِهِ بَيَانُ أَنَّ هَذِهِ الْمَقَاصِدَ مُنَافِيَةٌ لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَإِنَّ السُّؤَالَ إنَّمَا وَقَعَ عَنْ الْقِتَالِ لِهَذِهِ الْمَقَاصِدِ، وَطَلَبِ بَيَانِ أَنَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَصْدِ السُّؤَالِ، بَعْدَ بَيَانِ مُنَافَاةِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: هُوَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْقِتَالَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ قِتَالٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا عَلَى أَنَّ " سَبِيلَ اللَّهِ " لِلْحَصْرِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا لَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ، كَالْقِتَالِ لِطَلَبِ الثَّوَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

، وَأَمَّا الْقِتَالُ حَمِيَّةٌ: فَالْحَمِيَّةُ مِنْ فِعْلِ الْقُلُوبِ فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الْفَاعِلِ: إمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا فِي مُرَادِ الْحَدِيثِ وَدَلَالَةِ السِّيَاقِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَادِحًا فِي الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، إمَّا لِانْصِرَافِهِ إلَى هَذَا الْفَرْضِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ الْقِتَالِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِمَّا لِمُشَارَكَتِهِ الْمُشَارَكَةَ الْقَادِحَةَ فِي الْإِخْلَاصِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمِيَّةِ: الْحَمِيَّةُ لِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ ضَعْفُ الظَّاهِرِيَّةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْكَلَامَ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ بِقَرَائِنِهِ وَسِيَاقِهِ وَدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الْخَارِجِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

فَإِنْ قُلْتُ: فَإِذَا حَمَلْتُ قَوْلَهُ " قَاتَلَ لِلشَّجَاعَةِ " أَيْ لِإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ فَمَا الْفَائِدَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ " يُقَاتِلُ رِيَاءً "؟ قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرِّيَاءِ: إظْهَارُ قَصْدِهِ لِلرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُسَارَعَةِ لِلْقُرُبَاتِ، وَبَذْلِ النَّفْسِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمُقَاتِلُ لِإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ: مُقَاتِلٌ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَهُوَ تَحْصِيلُ الْمَحْمَدَةِ، وَالثَّنَاءِ مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ بِالشَّجَاعَةِ، وَالْمَقْصِدَانِ مُخْتَلِفَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ فِي جَاهِلِيَّتِهَا كَانَتْ تُقَاتِلُ لِلَّحْمِيَّةِ وَإِظْهَارِ الشَّجَاعَة، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا قَصْدٌ فِي الْمُرَاءَاةِ بِإِظْهَارِ الرَّغْبَةِ فِي ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدَّارِ الْآخِرَةِ؟ فَافْتَرَقَ الْقَصْدَانِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْقِتَالُ لِلَّحْمِيَّةِ مُخَالِفٌ لِلْقِتَالِ شَجَاعَةً وَالْقِتَالِ لِلرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ: يُقَاتِلُ لِطَلَبِ الْمَحْمَدَةِ بِخُلُقِ الشَّجَاعَةِ وَصِفَتِهَا وَأَنَّهَا قَائِمَةٌ بِالْمُقَاتِلِ وَسَجِيَّةٌ لَهُ، وَالْقِتَالُ لِلَّحْمِيَّةِ: قَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَقَدْ يُقَاتِلُ الْجَبَانُ حَمِيَّةً لِقَوْمِهِ، أَوْ لِحَرِيمِهِ " مُكْرَهٌ أَخَاكَ لَا بَطَلٌ "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.