شرح صحيح البخاري - الأصبهاني
وَهَذِهِ النُّقُولُ تَدُلُّ دِلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى حِرْصِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٍ وَالِدِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ ﵀ وَعِنَايَتِهِ بِابْنِهِ، وَالحِرْصِ عَلَى إِحْضَارِهِ مَجَالِسَ العِلْمِ وَسَمَاعِ الحَدِيثِ فِي أَوَّلِ أَيَّامٍ صِبَاهُ.
بَلْ إِنَّ حِرْصَ الوَالِدِ أَبِي جَعْفَرٍ ﵀ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، وَإِنَّمَا تَجَاوَزَهُ إِلَى دَرَجَةِ أَنَّهُ كَانَ يَنْتَقِي لَهُ الشُّيُوحَ، فَيُرَغِّبُهُ فِي حُضُورِ مَجَالِسِ مَنْ عُرِفَ بِالدِّيَانَةِ وَالإِتْقَانِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ حُضُورِ مَجَالِسِ مَنْ غُمِزَ فِي عَدَالَتِهِ، أَوْ طُعِنَ فِي حِفْظِهِ، فَقَدْ نَقَلَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ عَنْ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِي تِلْمِيذِ أَبِي القَاسِمِ التَّيْمِيِّ ﵀ قَالَ (١): "سَأَلْتُ أَبَا القَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بنَ مُحَمَّدِ بن الفَضْلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبِي عَبْدِ اللهِ (٢)، فَسَكَتَ سَاعَةً، وَتَوَقَّفَ فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعَ الكَثِيرَ، وَخَالَفَ أَبَاهُ فِي مَسَائِلَ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَشَايِخُ الوَقْتِ، وَمَا تَرَكَنِي أَبِي أَسْمَعُ مِنْهُ، كَانَ أَخُوهُ خَيْرًا مِنْهُ".
وَقَدْ سَارَ الإِمَامُ قِوَامُ السُّنَّةِ التَّيْمِيُّ ﵀ عَلَى هَذَا المِنْوَالِ، فَأَمْضَى حَيَاتَهُ فِي تَحْصِيلِ العِلْمِ وَطَلَبِ الحَدِيثِ، وَالتَّفَقُّهِ عَلَى جِلَّةِ مَشَايِخِ بَلَدِهِ أَصْبَهَانَ قَبْلَ أَنْ تَتُوقَ نَفْسُهُ إِلَى الرِّحْلَةِ.
* * *