توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
وقوله: ((يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟ ))، أي: أتصلي في قطعة واحدة مع وجود غيرها؟ !
وقوله: ((فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا- وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوَّسَهَا- أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ)): الأحمق هو: الجاهل الذي يعمل ما يضره مع علمه به، وهذا من باب التعزير، والتأديب، أي: كيف تعترض عليَّ يا أحمق، وأنا صاحب رسول الله ﷺ، وهذا مما يعزَّر ويؤدَّب به المتعلم.
وجابر ﵁ خاطبه بذلك؛ لأنه يعلم أن الوليد لا يتأثر بهذا، والمعلم إذا كان يَعلم أن التلميذ لا يتأثر بمثل هذا جاز له أن يخاطبه بمثله، كما فعل جابر ﵄ مع الوليد، والصحابة ﵃ كالآباء للناس، والأصل: أنه لا ينبغي للمعلم أن يقابل المتعلم بمثل هذا، ويقول له: يا أحمق؛ لأن في هذا تنفيرًا له.
وقوله: ((أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ)): العرجون: هو عرجون النخل الذي يكون فيه التمر، وابْنِ طَابٍ: نوع من تمر المدينة، فلما رآى النبي ﷺ النخامة في قبلة المسجد حكَّها بالعرجون الذي كان في يده.
وقوله: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ )): كررها ثلاثًا، يعني: أيكم يحب أن يعامله الله تعالى معاملة المعرِض عنه، فلا يثيبه؟ !
والإعراض من صفات الله ﷿، وكما في الحديث عند البخاري في قصة الثلاثة نفر الذين أتوا النبي ﷺ، وفيه: ((وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)) (١).
وصفة الإعراض من الصفات المتقابلة، أي: إعراض في مقابل إعراض العبد، مثل: المكر في مقابل الماكرين، والاستهزاء مقابل المستهزئين، وهذه الصفات إنما تكون كمالًا إذا كانت من باب المجازاة، والمقابلة، ولا يوصف بها الله ﷿ استقلالًا، فلا يقال: من صفات الله: المكر، والكيد، والاستهزاء، والإعراض.