Skip to content

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Printed page ٨/ ٤٦٠

وهذا من باب الاستحباب عند أهل العلم، فلا يجب على الإنسان أن يسوي عبده بنفسه في الأكل واللباس، وإنما يطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس؛ لقول النبي ﷺ: ((لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ)) (١)، ولكن لا يجب عليه أن يطعمه مما يأكل من الطعام الفاضل الذي يأكله، أو اللباس الفاضل الذي يلبسه.

وإطعام العبيد على ثلاث أحوال:

الأولى: أن يطعم الرقيق مما يأكل طعامًا فاضلًا، ويلبسه مما يلبس لباسًا فاضلًا، كما فعل أبو اليسر ﵁، وأبو ذر ﵁، وهذا هو الأفضل والأكمل والمستحب. قال النووي ﵀: ((لو قتَّر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله- إما زهدًا، وإما شُحًّا- لا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه وموافقته إلا برضاه)) (٢).

الثانية: أن يطعمهم ويكسوهم مما يناسب أمثالهم، وهذا هو الواجب.

الثالثة: أن يطعم الرقيق مما تأكل البهائم، ويُكسوهم مما يلبسه الشحاذون، وهذا لا يجوز.

وقوله: ((فَمَسَحَ رَأْسِي))، يعني: أن أبا اليسر ﵁ أجاب الوليد، ومسح برأسه إيناسًا له، وشكر له على ملاحظته، ودعا له بقوله: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ))، وقال له: إن الذي جعلني ألبس إزارًا ورداءً ملفقًا وغلامي كذلك؛ خشية أن أفضِّل نفسي على غلامي، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ)).

وقوله: ((وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): خشي أبو اليسر ﵁ إن فضَّل نفسه على غلامه أن يكون قد أخل