توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
ولكنه اعتذر منه، وقال: ((إِنَّ الْحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ)): فلم يأخذ منه، والسبب في عدم أخذه اللبن هو: أنه يكره أن يأخذ من يده شيء، لا من أجل أن اللبن حار.
[٢٩٢٨] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُفَضَّلٍ- عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنِ صَائِدٍ-: ((مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ )) قَالَ: دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: ((صَدَقْتَ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: ((دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ)).
قوله: ((دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ)): معناه: أنها في البياض درمكة، وفي الطيب مسك، والدرمك: هو الدقيق الحوَّارَى خالص البياض.
وفي هذا الحديث: دليل على تصديق الكاذب إذا قال صدقًا، ولو كان هو في نفسه كاذبًا؛ لأن النبي ﷺ صدَّقه.
وفيه: دليل أن الحق يُقبل ممن جاء به، ولو كان كافرًا، أو كاذبًا، فهذا حق جاء به ابن صياد، ومع ذلك صدَّقه النبي ﷺ في أن الجنة ((دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ))، كما ثبت هذا من قوله ﷺ.
ومن الأدلة- أيضًا- على قبول الحق ممن جاء به ولو كان كاذبًا أو كافرًا: قبول النبي ﷺ قول اليهودي لما قال: ((يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١])) (١)؛ تصديقًا لقول الحق، وكذلك