توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
جلسوا، فهذا مكروه ويخشى أن يكون داخلًا في حديث: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (١).
الحال الثالثة: أن يقام عند رأسه وهو جالس، فهذا محرم، ويستثنى من هذا: الحراسة، كما كان المغيرة بن شعبة يوم الحديبية واقفًا على رسول الله ﷺ للحراسة يحرسه، وهو يفاوض المشركين، ولما جاء بعض المشركين يفاوضه ومد يده إلى لحية النبي ﷺ ضربه المغيرة بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ (٢).
قوله: ((فلمَّا سلَّمْتُ عَلَى رسولِ الله ﷺ، قال: وهو يَبرُقُ وجهُهُ مِنَ السُّرورِ، ويقولُ: أبشِرْ بخيرِ يومٍ مَرَّ عليك منذ ولدتك أمُّكَ، قال: فقلت: أمِنْ عندِكَ يا رسولَ اللهِ، أم من عند الله؟ فقال: لا بل مِن عندِ الله)): فيه: أن النبي ﷺ كان يسره ما يسر أصحابه ﵇؛ ولهذا سُرَّ وجهه كأنه القمر بتوبة الله على هؤلاء الثلاثة.
وفيه: أن هذا اليوم يوم عظيم بالنسبة لكعب ﵁ وأنه أفضل يوم مر عليه يقول: إنه خير يوم ما عدا اليوم الذي أسلم فيه.
وقوله: ((فلمَّا جلستُ بينَ يديهِ قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ مِن توبتي: أنْ أنخلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله، وإلى رسوله ﷺ، فقال رسولُ الله ﷺ: أمسِكْ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لكَ، قال: فقلت: فإني أُمسِكُ سهمِيَ الذي بخيبرَ)): فيه: دليل على جواز قول: هذا المال صدقة إلى الله، وإلى رسوله، وصدقة إلى الله، يعني: أريد بها وجه الله، وإلى رسوله، أي: ليتصرف فيها وينفقها في مصارفها الشرعية، هذا في حياته ﷺ، أما بعد وفاته، فيقول: هذه صدقة لله.
وفيه: دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن ينفق أمواله كلها ويتصدق بها، ويبقى عالة يتكفف الناس، ويخل بالنفقة على من يعول؛ ولهذا نهاه النبي ﷺ فقال: أُمسِكُ سهمي الذي بخيبر.
لكن كيف يجمع بين هذا وبين فعل أبي بكر الصديق ﵁، وذلك أنه لما