Skip to content

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Printed page ٧/ ٤٨٠

قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ))، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا حَدَّثْتُ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، أَعْظَمَتْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَتْهُ، قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ ! قَالَ عُرْوَةُ: حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِلٌ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَمْرٍو قَدْ قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثُمَّ فَاتِحْهُ، حَتَّى تَسْأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَاءَلْتُهُ، فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي مَرَّتِهِ الْأُولَى، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ قَالَتْ: مَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْقُصْ.

في هذا الحديث: بيان أنَّ قبض العلم إنما يكون بقبض العلماء، وأنه لا يُنزع العلمُ من صدور العلماء، ولكن يُقبض بموتهم، وهذا هو الغالب، وقد يكون قبض العلم بغفلة العالم، وإعراضه، ونسيانه؛ لأن العالم إذا غفل عن العلم، وأعرض عن التعليم ذهب علمه.

وقوله: ((وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ، وَيُضِلُّونَ))، وفي لفظ: ((حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا)) (١): أي: إذا مات العلماء فلا بد للناس أن يُعيِّنوا على الوظائف رؤساء، فيعيِّنوا رئيسًا للإفتاء، ورئيسًا للقضاء، ورئيسًا للتدريس، فإذا مات العلماء فلا بد أن يكون في هذه المرافق جهالٌ، فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون، فينتشر الجهل.

وفيه: الإرشاد إلى أهل العلم والأخذ عنهم؛ لأن عائشة ﵂ أرشدت ابن أختها عروة بن الزبير ﵁ قالت: ((يَا ابْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ، فَالْقَهُ فَسَائِلْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِلْمًا كَثِيرًا))، فلقيه عروة، ثم حدثه بهذا الحديث، فلما أخبر عروة خالته عائشة ﵂: ((أَعْظَمَتْ ذَلِكَ