توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ))، أي: هدموها حتى ساووها بالأرض، ((فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ))، أي: بنى الأعمدة التي في وسط الكعبة، وجعل عليها سترة عن الناس حتى قام البناء.
والحكمة من جعل الستور: حتى لا يروا الأعمدة من غير بناء؛ لأنه ليس مناسبًا أن يراه الناس هكذا لشرفها وعظمتها في قلوبهم.
وقوله: ((فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ)) في رواية في البخاري: قال جرير: ((فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها)) (١).
وقوله: ((حَتَّى أَبْدَى أُسًّا))، يعني: أساس الكعبة التي هي قواعد إبراهيم ﵊، وجاء في أخبار الفاكهي: ((لَمَّا أَرَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ عَالَجَ الأَسَاسَ، فَإِذَا وَضَعَ الْبَانِي الْعَتَلَةَ فِي حَجَرٍ، ارْتَجَّتْ جَوَانِبُ الْبَيْتِ؛ فَأَمْسَكَ عَنْهُ)) (٢)، وأصابها زلزال حتى تركها، فقواعد الكعبة لم تغير، وإنما غُيِّرَ البناءُ.
وقوله: ((وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا)) قال الحافظ: ((وجزم الأزرقي بأن الزيادة تسعة أذرع فلعل عطاء جبر الكسر)) (٣).
وأعاد ابن الزبير ﵁ بناء الكعبة على ما كانت عليه في الجاهلية، ((فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ))، وليس كذلك، لأن ابن الزبير ﵁ عمل بمنطوق الحديث، وهو صحابي جليل، وعبد الملك بن مروان من سائر الناس، فابن الزبير ﵄ أفضل منه بكثير.