توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
في هذا الحديث: ييان تذكر الرسول ﷺ لهذا الموقف العظيم الموضح في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فلما تذكره بكى ﵊، وسالت دموعه، وذلك لما قرأ عليه عبد الله ﵁ من أول سورة النساء إلى أن وصل إلى هذه الآية، وقد قرأ قريبًا من نصف جزء تقريبًا، وهذه منقبة لعبد الله بن مسعود ﵁ أنه قرأ القرآن على رسول الله ﷺ.
وفيه: التخشُّع والتدبُّر للقراءة، والتحزُّن والبكاء، فكل هذا مطلوب.
والصحابة ﵃ كانوا يبكون بدموع العين، وكانت تَوْجَل قلوبهم وتلين وتخشع وتلين جلدوهم وقلوبهم، ولكن كان عندهم ثبات وقوة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾.
وحال التابعين لم يكن كذلك كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال: ((وله (١) في الجسد آثار محمودة؛ من خشوع القلب، ودموع العين، واقشعرار الجلد، وقد ذكر الله هذه الثلاثة في القرآن. وكانت موجودة في أصحاب رسول الله ﷺ وسلم الذين أثنى عليهم في القرآن ووجد بعدهم في التابعين آثار ثلاثة: الاضطراب والاختلاج والإغماء- أو الموت والهيام؛ فأنكر بعض السلف ذلك- إما لبدعتهم وإما لحبهم. وأما جمهور الأئمة والسلف فلا ينكرون ذلك؛ فإن السبب إذا لم يكن محظورًا كان صاحبه فيما تولد عنه معذورًا)). (٢)