تفسير الشعراوي
والحديث هنا فيه رجوع إلى الذين تخلفوا عن الغزوة، وعرفنا من قبل أنك ساعة تقول: «ما كان لك أن تفعل كذا» أي: أنك تنفي القدرة على الفعل، أما إن قلت: «ما ينبغي» أي: عندك قدرة على الفعل، ولا يجب أن تفعله.
وهنا يقول الحق: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله﴾ وبعضهم قد تخلف عن رسول الله ﷺ َ في الغزو.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ وهنا حديث عن نوعين من الأنفس: أنفس من قالوا بالتخلف، ونفس رسول الله ﷺ َ، وأنت إذا قلت: «رغبت» ، معناها: أنك ملتَ ميلاً قلبياً، فإن قلت: «رغبت في» كان الميل القلبي إلى ممارسة الفعل وفيها التغلغل، أما إن قلت: «رغبت عن» وفيها التجاوز، هذا يعني أن الميل القلبي يهدف إلى الابتعاد عن الفعل. إذن: فحرف الجر هو الذي يحدِّد لون الميل القلبي.
وقوله الحق: ﴿وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ أي: أنهم زهدوا في أمر صدر عن رسول الله ﷺ َ وفضَّلوا أمر نفوسهم على أمر رسول الله، فيبين الحق لهم أنهم ما كان لهم أن يفعلوا ذلك؛ لأنكم ما دمتم آمنتم بالله، فإيمانكم لا يكمل حتى يكون رسول الله ﷺ َ أحب إليكم من نفوسكم.
ولذلك نجد سيدنا عمر ﵁ لما سمع أن النبي ﷺ َ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» ، فقال: يا رسول الله، أنا أحبك عن أهلي وعن مالي إنما عن نفسي، فلا. «