الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي
وَعَلَى هَذَا فَالْإِيمَانُ مِنْ قَضَائِهِ بِجَمِيعِ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ وَهُوَ حَقٌّ، وَأَمَّا الْكُفْرُ فَلَيْسَ مِنْ قَضَائِهِ بِمَعْنَى كَوْنِهِ مَأْمُورًا بَلْ بِمَعْنَى خَلْقِهِ وَإِرَادَةِ وُقُوعِهِ، وَهُوَ حَقٌّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا. (١) وَعَنِ الْإِلْزَامِ بِالرِّضَا أَنَّهُ رَاضٍ بِالْإِيمَانِ، وَغَيْرُ رَاضٍ بِالْكُفْرِ.
وَعَنِ الْمَنْقُولِ بِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ غَايَتُهُ إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ حَقِيقَةً، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فَإِنَّ الْفَاعِلَ عِنْدَنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ مَنْ وَقَعَ الْفِعْلُ مَقْدُورًا لَهُ (٢) ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُوجِدِ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمَسْلَكِ الثَّانِي بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْفِعْلِ بِمُلَازَمَةِ الْوُجُودِ الْمَقْدُورِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُعْلَمُ وَجُودُهُ مَقْدُورًا لَا غَيْرَ مَقْدُورٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَدَمِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْقُدْرَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سَلْبَ اخْتِيَارِهِ فِي فِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عُلِمَ وُقُوعُ فِعْلِ الْعَبْدِ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، وَالْمُعَارَضَاتُ فَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهَا.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ شَرْطُهُ حَاصِلًا حَالَةَ التَّكْلِيفِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ شَرْطُهُ (٣) حَاصِلًا حَالَةَ التَّكْلِيفِ، بَلْ لَا مَانِعَ مِنْ وُرُودِ التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ وَتَقْدِيمِ (٤) شَرَطِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَائِزٌ عَقْلًا وَوَاقِعٌ سَمْعًا.
خِلَافًا لِأَكْثَرِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَذَلِكَ كَتَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ حَالَةَ كُفْرِهِمْ.