تخطَّ إلى المحتوى

دروس الشيخ عائض القرني نزول الوحي لتبرئة أم المؤمنين عائشة

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

الصفحة المطبوعة ٣١٢/ ١٢

نزول الوحي لتبرئة أم المؤمنين عائشة

أما الرسول ﷺ فوقف في مكانه، وفي لحظات أتاه الوحي من السماء، فاضطجع ﵊، وكان إذا أتاه الوحي يضطجع في الأغلب، وربما يأتيه الوحي وهو جالس فيتمالك نفسه، يقول زيد بن ثابت: ﴿أوحي إلى الرسول ﷺ ونزل عليه الوحي وفخذه على فخذي فكادت فخذه أن ترض فخذي﴾ يعني: تكسرها وتقسمها نصفين، يقول ﷾: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] كان إذا أتاه الوحي وهو على الراحلة بركت الراحلة -الناقة- وتمد عنقها في الأرض ويكون لها رغاء من شدة ثقل الرسول ﷺ عليها، وفي رواية مسلم ﴿أنه لما أتاه الوحي كان يغط غطيطاً ﵊ في الخيمة.

فلما أتاه الوحي اضطجع وسجي عليه ثوباً وكان يغط غطيطاً وعرقه يتصبب﴾ حتى تقول عائشة في رواية البخاري: ﴿كان إذا نزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد يتصبب عرقاً ﵊ وذلك من شدة الوحي الذي نزل عليه﴾ لأنه وحي وكلام وذكر لو أنزل على الجبال لخشعت ولتصدعت له، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].

فلبث ﵊ في المعاناة حتى أتى الوحي، أتدرون ما هو الوحي تلك الفترة؟ براءة من الله ومن الواحد الأحد، والله ﷿ لم يترك هذا الأمر لغيره، لا للنبي ﵊ ولا للمسلمين ولا لجبريل ولا لأحد من الناس، وإنما تولى براءتها من فوق سبع سماوات، أراد الله أن يبرئها براءة مدى الدهر تدخل بها الجنة: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] جلس ﵊ بعد انتهاء الوحي، ثم قال: ﴿يا عائشة! أبشري أما أنت فقد برأك الله﴾ -الحمد لله! لك الحمد يا رب على ما أعطيت وعلى ما كتبت وعلى ما قدرت- أما أنت يا عائشة فقد برأك الله ففرحت وسكتت وفرح أبو بكر وسكت، وفرحت أمها وسكتت، فقال أبو بكر: ﴿يا عائشة! قومي إلى الرسول ﷺ وسلمي عليه -وكانت عصامية- فقالت: والله لا أقوم ولا أحمد إلا الله الذي برأني﴾ لأنها صادقة:

نفس عصام سودت عصاماً وعلمته الكر والإقداما

وجعلته بطلاً هماما

والصادق بريء، والبريء غير متهم، والناصح يعرف.

قيل للإمام أحمد: ما الذي أخرجك من الفتنة؟ قال: الصدق- الصدق لو وضع على جرح لبرئ، والصادق معه الله -فخرج الرسول ﷺ إلى المسجد يحمل البشرى، ويحمل من الراحة وسعة الصدر ما لا يعلمه إلا الله، وتقول عائشة: ﴿ما كنت أظن أن تأتي براءتي من السماء لأني أرى نفسي أصغر من أن تأتي من السماء براءتي﴾ تقول: أنا محتقرة نفسي ولا أحسب أن يتكلم الله في شأني من فوق سبع سماوات، ومن فوق العرش، وينزل قرآن يتلى إلى يوم القيامة ما كنت أتصور ذلك، وهذا من حفظ الصالحين لأنفسهم، ولذلك أرفع الناس في قلوب الناس من هضم نفسه، يجعل الله له منزلة في قلوب الناس؛ لأنه لا يشعر لنفسه بقيمة، ومن أكبر نفسه لا يجد له الناس في نفوسهم قيمة، ولذلك المتكبر يأتي يوم القيامة في صورة الذر يطؤه الناس بأقدامهم من حقارته، وكلما تعاظم العبد في نفسه كلما صغره الله ومقته، وقال: اخسأ فلن تعدو قدرك، وكلما تواضع العبد وخضع لله كلما رفعه الله، وقال: ارتفع رفعك الله، ويكفي في ذلك الحديث الصحيح: ﴿من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه﴾ وفي الصحيح أن الله يقول: ﴿الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته﴾ وفي رواية صحيحة ﴿عذَّبته﴾ وفوق ذلك قوله ﷾: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣].

وقوله ﷾ على لسان لقمان لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩].

أتى ﵊ فوقف في المنبر ودعا الناس: الصلاة جامعة -الصلاة جامعة الصلاة جامعة! فاجتمع الناس وأخذ يقرأ الآيات البينات على المنبر، من الذي أنزل البراءة؟ الله الواحد الأحد، كما في الحديث: ﴿الله مدحه زين، وذمه شين﴾ لأن بني تميم وفدوا إلى الرسول ﵊، فطرقوا الحجرات فبعد صلاة الظهر -وهذا وقت لا يسمح بالزيارة فيه، بعد صلاة العشاء وقبل الفجر وبعد الظهر هذه أوقات تكره الزيارة فيها- قالوا: يا محمد! نادوه باسمه ﵊ والمفروض أن يقولوا: يا رسول الله! فتكلموا يا محمد! يا محمد! اخرج إلينا:

اخرج فإنا إذا مدحناك رفعناك عند العرب، وإذا ذممناك أنزلنا قيمتك عند العرب! إن مدحنا زين وذمنا شين.

سبحان الله ما هذا الجهل! من الذي يرفع إلا الله؟! ومن الذي يخفظ إلا الله؟ وبنو تميم ودعاياتهم وشعراؤهم يرفعون الرسول ﷺ، والله ﷿ يقول له: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤].

حتى قال المفسر مجاهد بن جبر، يقول الله تعالى: [[أي لا أذكر إلا وتذكر معي]] فملايين المساجد في العالم الإسلامي اليوم يقال على منائرها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فهل بعد هذا الرفع رفع، فالله هو الذي يرفع وحده.

قال ابن تيمية للفائدة: ﴿أهل الحديث وأهل السنة لهم نسبة من هذه الكلمة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] وأهل البدعة وأعداء السنة لهم نصيب من قوله ﷾: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣] فالله يقطع ذكرهم وبركتهم ويقطع دابرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وصدق، فـ أهل الحديث هم أرفع الناس، الآن يوجد أحد لا يعرف البخاري، سل العجائز أو الأطفال إذا قيل: (رواه البخاري) يثقون بالحديث مع أنهم لا يعرفون من هو البخاري بل يوجد على المنابر وفي المحافل والدروس والندوات شهرة متعددة ودائمة (رواه البخاري، رواه مسلم، رواه الترمذي، رواه ابن حبان، رواه الحاكم) لأنهم سلكوا مسلك الرسول ﵊.

لكن من أهل البدعة من يقول: رواه بشر المريسي، وأحمد بن أبي دؤاد، ولا أذناب المجوس وأفراخ الصابئة كما سماهم ابن القيم.