تخطَّ إلى المحتوى

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

الصفحة المطبوعة ٣٠٤/ ٧

موته ﷺ

ثم عاد ﵊، وفي آخر يوم -يوم الإثنين- وما أدراك ما يوم الإثنين! يوم قبض فيه رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، وهادي البرية، يوم توفاه الله إليه ليكرمه جزاء ما قدم للأمة، يوم قبضه الله، قال أنس: [[ظننا أن القيامة قامت يوم توفي رسول الله ﷺ]] أي مصيبة أكبر من مصيبة وفاته على الأمة؟! أي حدث وقع في تاريخ الإنسان يوم توفي خير إنسان وأفضل إنسان ﵊؟! ولكن نقول الآن وبعد الآن ويوم نلقى الرحمن: إنا لله وإنا إليه راجعون! ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧].

قال أنس ﵁ وأرضاه كما في الصحيح: ﴿كشف ﷺ لنا ونحن في الصلاة، فنظرنا إلى وجهه وهو في حجرة عائشة، وكأن وجهه ورقة مصحف، فلما رآنا صفوفاً كدنا نفتتن﴾ قال أهل العلم: نفتتن، أي: استبشاراً وفرحاً، ظنوا أنه قد عاد إلى صحته، وظنوا أنه قد تشافى من مرضه، ولكنه يتبسم

يا لقلبي ويا لشعري ما لهذا التبسم، ومالهذا التعجب! إنه -إن شاء الله- تبسم لأنه رأى الصفوف منتظمة، ورأى الدعوة حية، ورأى الرسالة منتصرة، ورأى لا إله إلا الله مرتفعة، ورأى أبا بكر يصلي بالناس، ورأى دعوة التوحيد قد ضربت بجرانها في الجزيرة، فحق له أن يتبسم.

يتبسم لأنه ترك جيلاً مؤمناً، وكتيبة موحدة، وترك جيشاً يوالي لله ويعادي في الله، ويموت من أجل الله، ثم رد الستار، ولكنه تبسم أخير ومنظر أخير، ما بعده إلا الموت، ثم أتى ﵊ فمرضته عائشة ﵂ وأرضاها، جلس ﵊ ووضع رأسه الشريف في حجرها، ويا لسعادة الزوجة بزوجها! ويا لسعادة الحبيبة بحبيبها! ويا لفرحتها بمؤنسها وبرجلها في آخر عمره وهو يلصق رأسه بحجرها ﵂ وأرضاها! كانت تقول: ﴿توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري﴾ وفي الصحيح قالت: ﴿توفي بين حاقنتي وذاقنتي﴾ فأخذت تتلو عليه القرآن، وتعوذه بالمعوذات؛ لأنه أصبح لا يستطيع أن يقرأ أو يتلو.

اشتد عليه الكرب ﵊، وفي تلك الفترة دخل عليه أسامة بن زيد حبه وابن حبه، كان مولى، ولكن الحب والود في الله، فما استطاع ﵊ أن يكلم أسامة، وقد جهز له جيشاً يرسله إلى البلقان، فرفع ﷺ يديه، وما سمعوا له كلاماً كما في السيرة يرفعها ثم يردها، قال أسامة: فعلمت أنه يدعو لي ﷺ.

ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر، والرسول ﷺ في سكرات الموت، ومع عبد الرحمن سواك من أراك يستاك به، وهو صهره ورحيمه، فنظر إلى السواك؛ لأنه طيب، فمه طيب، ونفسه طيب، وكلامه طيب، وحياته طيبة، ومماته طيب، قالت عائشة ﵂ وأرضاها: ﴿فعلمت أنه يريد السواك، فأخذته فقضمته ثم غسلته ودفعته إليه ﷺ، فاستاك كأشد ما يستاك في الحياة ﷺ﴾ وأخذ يدير السواك بقوة، ليلقى الله طيباً، فإن حياته طيبة، ووفاته طيبة ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].

ثم أعاد ﷺ قضية التوحيد ورسالة التوحيد -يا أهل التوحيد- وهو في سكرات الموت، كان يأخذ خميصة فيبلها بالماء، ويجعلها على وجهه ويقول: ﴿لا إله إلا الله، اللهم هوِّن عليَّ سكرات الموت، لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، لا إله إلا الله، اللهم هوِّن عليَّ سكرات الموت﴾ ثم قال ﷺ: ﴿لعن الله اليهود والنصارى -مرة ثانية- اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ وعند مسلم: ﴿قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري مسجداً، فإني أنهاكم عن ذلك﴾ فهو يوصي بالتوحيد ﷺ.

ثم من كمال إشفاقه أوصى بالصلاة وهو في سكرات الموت أين الذين يوصون بالقصور والفلل؟

أين الذين يوصون بالأموال والمناصب؟ أين الذين يوزعون التركات؟

ها هو سيد البشر وخير البشر ﷺ يوصي بالصلاة، ويقول وهو في الرمق الأخير: ﴿الله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم، الله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم، الله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم﴾ ثم يشير بسبابته ﷺ إلى الرفيق الأعلى، فترتفع روحه إلى الحي القيوم، إنا لله وإنا إليه راجعون! صلى الله على محمد رسوله، نشهد بالله شهادة ندخرها ليوم العرض على الله، أنه ما مات إلا وقد دلنا على كل خير، وحذرنا من كل شر، وبلغ الرسالة، ونشهد أنه أدى الأمانة.

وانصرع ﷺ في ذاك المصرع، الذي لا بد أن يصرعه كل واحد منا، فجهز نفسك وقدم لها، وتهيأ لذاك المصرع، فو الله لتصرعَن يوماً ما، ووالله لتأخذن روحك خلسة، فتهيأ لذاك المصرع، أعاننا الله وإياك وكل مسلم عليه.