دروس الشيخ عائض القرني
أمر النبي ﷺ لأبي بكر أن يصلي بالناس
وفقد ﵊ أنس الجماعة، وجمال الصفوف يوم تسجد وراءه، يوم يركع وراءه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والسادة القادة الشهداء العلماء الأبرار، فقام ﵊ ليصلي، وآذنه بلال بالصلاة، فقام ﷺ كما في الصحيحين فقال: ﴿ضعوا لي ماءً في المخضب -وهو المغتسل- فاغتسل ﷺ، فقام لينوء فما استطاع، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، فلما اغتسل قام لينوء فما استطاع، -كان يسقط على فراشه بأبي هو وأمي- فقال في آخر مرة، وهي الخامسة كما في الصحيحين: مروا أبا بكر فليصل بالناس.
وانبعث الصوت إلى المسجد، وأتى بلال، فقالوا: يا بلال! إن رسول الله ﷺ يقول لك: مر أبا بكر فليصل بالناس، فبكى بلال وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، يا أبا بكر صل بالناس﴾.
وعند ابن كثير في السيرة: قال أبو بكر متواضعاً محتقراً نفسه ﵁ وأرضاه: يا عمر! صل بالناس.
قال: بل أنت صل بالناس.
وورد بسند جيد: ﴿أن عمر صلى فريضة، والرسول ﷺ مريض، فلما سمع صوته قال: لا.
يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر﴾ فأين دعاة البدعة الذين يقولون: إن أبا بكر ليس هو الموصى إليه، وأن الوصية كانت إلى غيره، فقد رضيه ﷺ لديننا وصلاتنا، أفلا يرضاه لمعاملاتنا ودنيانا؟!
كذب الأدعياء، وكذب الدجاجلة، إن هو إلا زور افتروه، وكذب دجلوا به على الأمة.
وتنشَّط ﵊ ذات غداة في صلاة الظهر ووجد من نفسه خفة، فقام ليصلي مع الناس، وقام ﵊ معتمداً على الفضل ورجل آخر، حتى أدخل المسجد ﷺ، فوضع عن يسار أبي بكر، فجلس ﷺ يُكبر وأبو بكر يكبر بتكبيره، ويسجد فيسجد أبو بكر لسجوده، والناس يسجدون بعد أبي بكر، فلما سلم ﵊ رقى المنبر، فلما رقى المنبر كشف عن وجهه الشريف الذي ضمر بالحمى، واصفر بالمرض، ورق بالألم، فقال للناس: ﴿يا أيها الناس: إني أنهاكم عن الشرك فلا تشركوا بالله﴾ كما أوردها ابن كثير، ثم قال وهو على المنبر، بل كرر هذا الحديث ثلاث مرات: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ يحذر من الشرك، ثم قال: ﴿اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد﴾ ثم أوصاهم بالتوحيد، فكان حرصه على التوحيد في أول الطريق، وفي وسط الطريق، وفي آخر الطريق.