دروس الشيخ عائض القرني
جانب التواضع في حياته ﷺ
من أين نبدأ؟ وإلى أين ننتهي في ذكر سيرته؟ يعجز الأدباء، ويسكت الشعراء، ويتحير المؤرخون، ويتلعثم المصنفون في عظمته ﷺ؛ لكن في جانب واحد، وفي زهرة من روضته، نتحدث في هذا اليوم في جانب التواضع من حياته ﷺ.
أليس هو قرآن يمشي على الأرض؟ أما قال الله له: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥]؟
أما امتدحه الله من فوق سبع سماوات، فقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]؟
أما أثنى عليه، وقال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
سهر العيون لغير دينك باطل ورضا النفوس بغير شرعك ضائع
والرسول ﵊ أكبر من تواضع لله؛ لأنه عرف عظمة الله.
جاءه ملِك من ملوك العرب - وقد صح هذا الحديث - فأتى الملك، ودلف إلى مكة؛ ليرى هذا الإنسان الذي غيّر العالم، فلما رأى المصطفى ﷺ أخذ هذا الملك ترتعد فرائصه، ويهتز، ويتزلزل في مكانه؛ لأنه رأى هالة العظمة، رأى سيماء التوفيق، وشارة المجد تلوح على محياه ﷺ فيهدئ من روعه ﷺ، ويهدئ من خوفه، ويقول له: ﴿هون عليك، إني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة﴾ والقديد: هو اللحم المشوي إذا مُلِحَ وعُلِّقَ.
نعم، إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة؛ لكنك حولت العالم.
إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة؛ لكنك أعظم من طرق باب الإنسانية.
إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة؛ لكنك قدت العالم إلى بر النجاة، وإلى شاطئ السلامة.
إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة؛ ولكنك أخرجت الإنسان وشرفته وطهرته وعظمته.
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها