دروس الشيخ عائض القرني
وقفات مع هدي الرسول ﷺ في السفر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
ما زالت هذه الجلسة مع سيرة رسول الله ﷺ العطرة، وأيامه المشرقة، وأنفاسه المتوهجة بنور الإسلام ﷺ، وإن كان للحياة سعادة، وللعيش لذة، وللعمر مواهب؛ فإنما هو في تذكر سيرته ﷺ.
فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يوفقنا لاتباعه ﷺ، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يجعلنا من الشاربين من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
ومعنا في هذا الدرس هديه ﵊ في السفر.
ماذا كان يفعل في سفره ﷺ؟ في قصره إفطاره أذكاره نوافله ﵊.
وقد ذكر الله ﷿ السفر في كتابه، فذكر سفر الأنبياء، قال ﷾: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١] ولما دمر قرى قوم لوط، وحاسبهم ﷾، قال لقريش وللمشركين عامة: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ [الفرقان:٤٠].
يقول: أما مروا وهم مسافرون في رحلة الصيف إلى الشام على قرية قوم لوط فرأوها مدمرة؟ لماذا لم يتعظوا؟! فالذي يسافر ولا يتعظ لم يستفد من سفره.
وذكر الله ﷿ أن إبراهيم ﵇ لما سافر إلى مكة، وعاد منها مودعاً أهله قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
وذكر سبحانه سفر لوط عن قومه، وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦] فانظر إلى تأدبه مع الله فقال: مهاجر، ولم يقل: مسافر؛ لأن من سافر لطاعة الله ولو كان في نزهة فهو مهاجر بإذن الله.
وذكر الله ﷾ موسى ﵇، وأنه لما كلّ وملّ وجاع في السفر قال لغلامه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] وكان يسافر لطلب العلم.
وقد عقد البخاري في كتاب العلم باباً قال: باب السفر في طلب العلم، ثم أتى بقصة موسى ﵇ يوم سافر للخضر وركب البحر؛ فأتى بهذه القصة.
وهنا سبع وعشرون مسألة، نتدارسها في هذه الجلسة المباركة، التي نسأل الله أن تكون خالصة لوجهه، وأن تكون كفارة لكل مجلس باطل جلسناه، أو لغو تحدثنا فيه، أو مجلس ضيعناه.