تخطَّ إلى المحتوى

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

الصفحة المطبوعة ١٩٥/ ٨

موقف المأموم من الإمام وحكم الحركة القليلة للمصلي

قام ﵊ فابتدأ صلاته، فلما أصبح في الصلاة قام ابن عباس فأخذ ماءً وتوضأ ثم اقترب من الرسول ﵊، فوقف عن يساره، يعني: تجاه جهته اليسرى ﷺ.

والمأموم إذا كان منفرداً يبقى عن يمين الإمام.

فأرسل ﷺ يده من وراء ظهره وألقاها على ابن عباس وفركه وهو في الصلاة ثم حوله إلى يمينه؛ قال ابن حجر: يؤخذ من هذا أن المعلم له أن يفرك أذن الطالب، وقد مرت هذه في مناسبات، وكانت أفهم له، بشرط أن يكون صغيراً في سنه، ولا يتأذى بذلك.

فحوله عن يده اليمنى، وعند ابن خزيمة: أنه كلما نعس ابن عباس أرسل ﷺ يده وفرك أذن ابن عباس حتى يوقظه في الصلاة.

لماذا ينعس؟ لأن الرسول ﷺ يستمر في القراءة حتى ينسى المكبر أنه كبر.

يقول ابن مسعود ﵁: ﴿قمت مع رسول الله ﷺ ليلة من الليالي، فصلى فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل له: وبماذا هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدَعَهُ﴾.

وقال حذيفة كما في الصحيحين: ﴿قمت مع رسول الله ﷺ، فابتدأ سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، فواصل حتى خَتَمَها، ثم افتتح سورة النساء فقلت: يركع عند المائة، فاختَتَمَها، ثم افتتح سورة آل عمران، ثم اختتمها ﷺ]].

فهو ﷺ وابن عباس بجانبه جعل يده على أذن ابن عباس وفركه ليستيقظ، وفي رواية صحيحة أوردها ابن حجر: لئلا يستوحش في الظلماء.

يقول: لئلا يستوحش ابن عباس، فيظن أن من طول قراءة الرسول ﷺ أو إسراره من الرسول ﷺ تركه واقفاً، أو استيحاش من باب أنه يطول عليه الوقوف.

والله أعلم.

ولا يقاس على قوَّته ﷺ قوة أحد من الناس، والإنسان فقيه بنفسه لا يستمع مثل هذه الأحاديث فيأتي فيقف ليلة كاملة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر وبعدها يترك صلاة الفجر، فهذا لا أحسن في الأولى ولا في الثانية؛ أما في الأولى: فشدد على نفسه وخرج عن السنة، فإن سنة الله بين الغالي والجافي، والحسنة بين السيئتين، والقصد القصد تبلغوا.

وأما الأمر الثاني: فأنه قد يفوت من الفرائض ما هو أعظم منه، ولا يفوتكم أن الرسول ﵊ جُمِعَت في جسمه الطاهر قوة ثلاثين رجلاً، فهو أجمل وأقوى وأفصح وأحلم وأبر وأصبر الناس، حتى يقول علي؛ وأنتم تعرفون من هو علي بن أبي طالب، سيف الله المنتضى، من أشجع الناس يقول: [[كنا إذا اشتد الكرب، وحَمِي الوطيس، واقتربت الرماح، الحدق واحمرت اتقينا برسول الله ﷺ في المعركة، فوجدناه أقرب القوم إلى العدو]] من قوة جسمه ﷺ.

ولما التقوا في معركة هوازن في حنين، كان ﵊ في المقدمة الأولى للجيش، وفرَّ جميع الجيش إلا ستة أنفار، فلم يثبت إلا هو وخمسة معه ﷺ، وهذا من القوة التي أعطاه الله إياها.