دروس الشيخ عائض القرني
ما أكرمه الله به قبل النبوة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: أول ما منحه الله، ما حصل له من البركات على آل حليمة الذي كان مسترضعاً فيهم, فلقد كان قبل حلوله بناديهم مجدبين, فلما صار بينهم نزل عليهم الغيث، بأمر الله وبإذنه ﷾, فالله ﷾ هو الذي ينزل الغيث ويكشف ما بالناس, وهو الذي يقدر ﷾، ولكن قد يرحم الله كثيراً من الناس ببعض الناس, فلبركته ﵊ رحم أهل البادية الذين سكن معهم ﷺ كما سلف معنا, وأغاثهم الله ﷿, فأصبحوا في نعيم مقيم, يقول البوصيري:
وإذا سخر الإله سعيداً لأناس فإنهم سعداء
البوصيري مصري له منظومات لكن لاحظ عليه العلماء المبالغة في مدحه ﵊, وله نهج البردة التي يقول فيها من ضمن أبياتها:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
إن لم تكن في قيامي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم
وهذا شرك, يخاطب الرسول ﷺ, ويقول: ما لي من ألوذ به يا رسول الله إلا بك, وهذا خطأ وشرك في المعتقد, بل الذي يلاذ به الله ﷿, ويعاذ به ﵎، ولا يلاذ ولا يعاذ بغيره ﵎, والرسول ﵊ لا يكشف ضراً ولا يجلب نفعاً، ولا يحيي ولا يميت ولا يشفي ولا يرزق ولا يبتلي، إنما هو فقط يبلغ الرسالة، وإلا فهو بشر ﵊, فلينتبه الناس لهذه المسألة، وهي: أن الرسول ﷺ بشر، وأن مهمته تبليغ الرسالة، وقد بلغها على أكمل وجه ﷺ.
ثم شرح الله صدره، وبعض المفسرين يقولون في قوله ﷾: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] يقول بعضهم: أما شققنا صدرك وأخرجنا منه المرارة السوداء؟ لأن المرارة السوداء التي كانت في قلبه ﷺ أخرجت, فكان ﷺ يرعى البهم في الصباح وعمره ما يقارب ثمان سنوات، أو أقل من ذلك, ومعه أخوه من الرضاعة ابن حليمة السعدية المرضعة, فلما رعوا البهم بجانب ديارهم وخيمهم في بادية بني سعد المعروفة تجاه الطائف , وإذا بملكين اثنين ينزلان من السماء، فيأخذان الرسول ﵊ فيبطحانه على ظهره ويشقان صدره شقاً, ثم أخرجا المرارة السوداء، وغسلا قلبه ﷺ.
قال أهل العلم: غسلاه بماء زمزم في طست من ذهب, فيقول بعض المفسرين: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) يقول الله ﷿: أما شرحنا لك صدرك في هذه المرة؟
والصحيح عند جمهور المفسرين: أي: جعلناه مشروحاً واسعاً, فأزال الله همه وغمه.
ولذلك تجده ﷺ في المعارك وقد كسرت رباعيته, وشج رأسه ﵊, وقتل سبعون من الصحابة وهو يتبسم, وفي الغار وقد أحاط به المشركون من كل جهة وهو يتبسم, وقتل كثير من أقاربه وهو يتبسم ﵊, ثم كان ﵊ على كثرة المصائب مشروح الصدر, يقول ﷾: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] وأول ما دعا موسى ﵇ أن قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ طه ٢٥] وهي من أحسن الدعوات.
فشرح الله صدره، وأخرج حظ الشيطان منه, ثم إن الله ﷿ منّ عليه أن جعل شيطانه يسلم، يقول ﷺ: ﴿ما منكم من أحد إلا ومعه قرين قد وكل به، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، لكن أعانني الله عليه فأسلم﴾ فشيطانه أسلم ولا يأمره إلا بخير, أما نحن فكل واحد منا معه قرين يأمره بالشر إلا من عصم ربك, والله جعل لنا هذا ابتلاء ليرى إيماننا ويرى ﷾ عملنا الصالح, وأحسن ما يستدفع به الشيطان الوضوء وذكر الله، وقراءة القرآن، والدعاء، والمعوذات، وآية الكرسي، فهذه يستدفع بها الشيطان نعوذ بالله منه.
ثم إن الرسول ﵊ سخر الله له الغمامة في سفره إلى الشام فاستظل بها, ونزلت القافلة إلى السوق وترك الرسول ﵊ يرعى الإبل وهو في الشام , وعمره ما يقارب خمساً وثلاثين سنة، فأتت غمامة فظللته ﵊, وهذه من علامات نبوته ﷺ.
ثم إن الرسول ﵊ كان يمر فتسلم عليه الأشجار والأحجار بالنبوة قبل أن يبعثه الله ﷾.