تخطَّ إلى المحتوى

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

الصفحة المطبوعة ١٦٦/ ٣٠

بعث السعاة لأخذ الزكاة

الرسول ﵊ كان يبعث أصحابه في الأقاليم يجمعون المال والصدقة، وهذا دليل لمن قال بنقل الزكاة من مكان إلى مكان؛ لأن عمر وغيره من الصحابة كانوا يذهبون إلى البوادي فيجمعون الزكاة ويأتون بها إلى مدينة الرسول ﷺ، وفي صحيح البخاري في كتاب الزكاة والجهاد، قال عمر ﵁ وأرضاه: [[بعثني رسول الله ﷺ مصدقاً -يعني لأجمع الصدقة والزكاة- فدرت على الناس كلهم فأعطوني زكاتهم، إلا ثلاثة: العباس عم الرسول ﷺ، وخالد بن الوليد وابن جميل -أحد الناس الذي عكر عليهم النفاق بعض حياتهم-]]

أما العباس فقد امتنع لأن الرسول ﵊ اقترض منه زكاة عامين، قال له ﷺ: ادفع لي زكاة عامين مقدماً؛ لأني أحتاجها في الجهاد، فأخذ العباس زكاة عامين وأعطاها الرسول ﵊، والرسول ﵊ ما نسي لكن أرسل عمر للمسلمين ونسي أن يقول له: لا تأخذ من العباس، فذهب عمر وطرق باب العباس، وقال: ادفع الزكاة، قال: لا أدفعها، واستحى أن يقول: إنها عند الرسول ﵊، وإن دفعها سوف تذهب عليه زكاة ثالثة وما مر إلا عام، فقال عمر ﵁ للرسول ﷺ: دفع الناس جميعاً إلا ثلاثة: عمك، وخالد بن الوليد وابن جميل، فأتى ﷺ، يجيبه عن كل واحد ويفصل:

فقال الرسول ﷺ: يا عمر! أما تدري أن عم الرجل صنو أبيه -يقول: أتيت تشكو عمي علي وهو أخو والدي بل هو والدي في الحقيقة- أما علمت أنها علي دين ومثلها له.

وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، يقول: دائماً مظلوم، احتبس أدراعه وخيوله ونفسه ودمه في سبيل الله وتطلب منه الزكاة.

لأن خالداً ﵁ أوقف ماله في سبيل الله، يقول: ليس لي مال، كل هذه السيوف معلقة في سبيل الله، وهو أبو سليمان يعرف كيف يضرب بالسيف، وفي مؤتة ذكر ابن كثير بأسانيد كثيرة أنه كسر تسعة أسياف بيده حطمها تحطيماً وما ثبتت إلا صحيفةٌ يمانية، وعلق مائة سيف وقال: هي في سبيل الله، وملأ اسطبلاً من الخيول وقال: هي في سبيل الله، فيقول ﵊: أما يكفي أن يوقف أمواله في سبيل الله حتى تأخذوا الزكاة من خالد.

وأما ابن جميل هذا فإنه لا عذر له، فقال عنه ﷺ: فما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله، أي كيف يحق لـ ابن جميل أن يغضب ويتحامل على رسول الله ﷺ وقد كان فقيراً لا يملك شيئاً من الدنيا فأغناه الله.

وروي أن ابن جميل أتى إلى الرسول ﷺ، وقال له: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً، فأشار ﵊ ألا يفعل ذلك؛ لأنه فتنة، فألح عليه فدعا له ﷺ، فكثر ما له حتى، ترك الجماعة مع الناس في المسجد، ثم ترك الجمعة، ثم منع الزكاة﴾ وهذا ليس بـ ثعلبة.

وقصة ثعلبة لا تصح بل هي باطلة، وأما ابن جميل فهي في صحيح البخاري وسندها صحيح.

فلما ذهب عمر إليه رفض وقال: إنما هي جزية وليست بزكاة، فعاد عمر وأخبر رسول الله ﷺ وقال: ما ينقم إلا أن كان فقيراً فأغناه الله، فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧].

كذبوا مع الله ﷾، فأرسل ﵊ أصحابه ومنهم معاذ بجمع الزكاة، وهذا واجب على الإمام أن يرسل السعاة وألا يترك الزكاة بأيدي الناس لأنها تضيع، بل الواجب عليه أن يأخذها منهم ثم يصرفها في مصارفها.