تخطَّ إلى المحتوى

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

الصفحة المطبوعة ١٠٧/ ١٧

التصدق بالثياب الملبوسة والمستعملة

المسألة الثانية عشرة: هل لك أن تتصدق بلباسك وتخفف منها؟ هل من المروءة عند الناس أن إذا عرض لك فقير وسألك؛ أن تخلع له غترتك، وتقول: تفضل؟ أو شيئاً من لباسك الداخلي أو الخارجي؟

حدث هذا عن المصطفى ﵊، أتت امرأة فنذرت لله ﷿ أن تلبس الرسول ﵊ حلة، فذهبت فنسجت حلة، وتعبت عليها والحلة من أحسن اللباس- لتكون هدية طيبة إلى المصطفى الطيب ﷺ، فلما نسجت الحلة ذهبت بها إلى المصطفى ﷺ، قال الصحابة: فلبسها محتاجاً إليها.

كانوا في قلة من اللباس والطعام والشراب، لبسها محتاجاً إليها، فلبس الحلة ﵊ وخرج إلى الناس، فلما خرج قام رجل في الطريق، وقال: يا رسول الله! ألبسني هذه الحلة.

قال: انتظر قليلاً، فذهب ﷺ إلى بيته وغير ملابسه الأولى الممزقة، وأعطاه الحلة، فأمسك الأنصار بالرجل وقالوا له: فعل الله بك وفعل، صنع الله بك وصنع، لبسها ﷺ محتاجاً إليه، وأنت تسأله وتعرف أنه لا يقول (لا).

فإن كلمة (لا) ليست في قاموسه ﵊ إلا في لا إله إلا الله

ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم

يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم

كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم

ذكر البزار عن شيخ الإسلام ابن تيمية في الأعلام العلية، قال: كنت أرافقه فربما عرض له الفقير المسكين، فيبحث ابن تيمية فلا يجد دراهم في جيوبه، ويبحث عن الخبز فلا يجد خبزاً، فيختفي ويخلع أحد ثوبيه ويعطيه الفقير.

قال: فعرض له فقير مرة فسأله سؤالاً، فما وجد ابن تيمية إلا ثوباً عليه، ولم يجد دراهم ولا خبزاً ولا شيئاً، فأخذ عمامته فقسمها نصفين وأعطى الفقير نصفها.

ما هذه الأخلاق؟! إنها أخلاق الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر.

وورد في الحديث عنه ﷺ: ﴿من كسا مسلماً على عري كساه الله من حلي الجنة﴾ والحديث يقبل التحسين، وفي حديث ابن عباس الصحيح: ﴿يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا بن آدم! جعت فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي؟ يا بن آدم! مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته وجدت ذلك عندي؟ يا بن آدم! استكسيتك فلم تكسني، قال: كيف أكسوك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان استكساك فما كسيته؟ أما علمت أنك لو كسيته وجدت ذلك عندي؟﴾.