تخطَّ إلى المحتوى

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

الصفحة المطبوعة ٥٦/ ٢٤

من الفضائل: غشيان الرحمة

وأما غشيان الرحمة فإن رحمته ﷾ واسعة وهي خاصة وعامة؛ خاصة للمؤمنين وهي معنى الرحيم ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] والرحمن عامة للمؤمن والكافر وفي الدنيا والآخرة، يقول سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] وفي الحديث الصحيح: ﴿إن رحمتي سبقت غضبي﴾ فنسأل الله أن يرحمنا وإياكم رحمة عامة وخاصة.

في مجالس الذكر تغشى الرحمة الجالسين كلهم، فيدخل فيهم حتى من قصر في العمل؛ لأن المؤمنين يقولون: وهب المسيئين منا للمحسنين، والمعنى: من جلس منا محسناً فأدخل المسيء منا معه، ولذلك يقول أحدهم: يا أيها المقصر! اهجم هجمة الكذابين على باب الباذلين كأنك طفيلي، وقف بيدك على الباب وقل: تصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين، علَّ الله أن يفتح لك الباب.

فأنت إذا جلست مع الأخيار لحقت بهم.

يقول ابن كثير في تفسيره: "الكلب لما رافق الأخيار في القرآن، ذكره الله في القرآن: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] ".

ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان أن الخليع الشاعر كان رافضياً، يحب الرافضة، فلما أتته سكرات الموت أمر أن يدفن في النجف، وأمر أن يكتب على قبره ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] يستحق، قالوا: فلما مات، حملوه، وحفروا له قبر في النجف، وكتبوا: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨].

يقول ابن كثير: فانظر كيف شرفه الله، لما رافق الصالحين فبقي الكلب يصاحبهم في القصة من أولها إلى آخرها.

هكذا تكون رفقة الصالحين:

أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة

وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة

وقال غيره:

عن المرء لا تسألْ وسل عن قرينه فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي

ولذلك تجد الخيّر إذا رافق الأشرار أصابه الشر والذلة والحسرة حتى يلحق بهم، ولو كان بريئاً، فيقولون: فلان يرافق فلاناً السيء انتبهوا له، فتصبح عليه وسام عار، ووصمة عيب.