تخطَّ إلى المحتوى

قرآن غاليري المدونة · المقالات

ليلٌ يُبنى للتهجد: كيف كان ينام رسول الله

خمس عادات يسيرة صاغت الساعات الممتدة بين العشاء والفجر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: نوم مبكر، وجسد يتطهر قبل أن يأوي إلى فراشه، وهيئة محددة وكلمات معدودة، وتلاوة يُنفث بها في كفين مضمومتين، وعبارة تُفتتح بها أنفاس الصباح. قد لا تبدو أي منها عبادة مستقلة بذاتها، لكنها مجتمعة تشكل البنيان الهادئ لليلٍ أُسس للوقوف بين يدي الله ﷻ في ساعته الأخيرة.

قراءة 4 دقيقة5 مصدرEtiquettes

الكاتب:The Quran Gallery team

بحلول الليل، يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمضى نهاره قاضياً، وقائداً عسكرياً، وزوجاً، وأباً، ولم تكن أي من هذه الأدوار لتتوقف بمجرد غياب الشمس. لكن ما كان يتغير في الساعات الممتدة بين العشاء والفجر هو من يتوجه إليه؛ فجلّ ما نُقل عن ليله لم يكن موجهاً لأحد سوى الله ﷻ. وحريّ بنا أن نتساءل عن الكيفية التي كانت تمضي بها تلك الساعات، ليس من باب الانطباع العام عن صلاحه وتقواه، بل كتسلسل دقيق ومتكرر يمكن لصحابي أن يرقبه، ويصفه، وينقله لنا بحذافيره.

نوم مبكر، وصمت يتبعه

يصف أبو برزة الأسلمي عادةً عمليةً لا مجرد قول:

أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا

— صحيح البخاري، حديث رقم 568، الصفحة المطبوعة 1/118 من .

أورد البخاري هذا الأثر تحت باب أسماه بوضوح: “باب ما يُكره من النوم قبل العشاء”، مما يعني أن الأمر لم يكن يوماً مسألة تفضيل شخصي. فمهما كانت الأحاديث التي قد يجلبها الليل، فإنها تتضاءل أمام الساعات التي ستُهدر بسببها. إن كل ما يُبنى عليه بقية ليله - من تلاوة، ووضوء، وثلث أخير يُقضى في الصلاة - يعتمد بالأساس على بقاء متسع من الليل لاغتنامه. فإذا تأخرت البداية، ضاع ما يتبعها من نظام.

جسد يتطهر قبل أن يأوي إلى فراشه

نقل البراء بن عازب ما تَعَلَّمَهُ من توجيهات عند عتبة النوم، بكلمات بلغت من الدقة مبلغاً جعله يرددها على من تلقاها منه:

إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ

— صحيح البخاري، حديث رقم 247، الصفحة المطبوعة 1/58 من .

يضيف البراء تفصيلاً عن نفسه احتفظت به كتب السنة ولم تتجاوزه؛ فقد ردد الكلمات أمام النبي صلى الله عليه وسلم ليتأكد من حفظه لها، ولما وصل إلى قوله: “وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ”، استبدلها قائلاً: “وبرسولك”. فجاءه التصويب في الحال؛ إذ كان لا بد أن تبقى الكلمة “وَبِنَبِيِّكَ” كما هي، لا أن يُستعاض عنها بمرادف يبدو قريباً في المعنى. إن خطأ صحابي في دعاء أمام من علّمه إياه، وبقاء هذا التصويب محفوظاً في بطون الكتب جنباً إلى جنب مع الدعاء نفسه، ليدل دلالة واضحة على مدى أهمية الألفاظ الدقيقة، وأنه لا يُكتفى بمجرد استحضار المعنى. كما أن التوجيه بجعل هذه الكلمات آخر ما يُنطق به قبل النوم لم يأتِ عبثاً؛ فختام اليوم على طهارة، والاضطجاع على الشق الأيمن، والنطق بالحق في تسليم النفس لبارئها، هو الأساس الذي يُبنى عليه ما تبقى من الليل.

الهيئة والكلمات

وفي أثر آخر عن حذيفة، أورده البخاري تحت باب خُصص له، نجد تفصيلاً للهيئة الجسدية مقترناً بالكلمات التي تُقال في بداية الليل ونهايته:

كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا. وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ

— صحيح البخاري، حديث رقم 6314، الصفحة المطبوعة 8/69 من .

بُنيت الجملتان لتتوازيا في المعنى؛ فالنوم يُوصف كأنه ميتة صغرى، والاستيقاظ كأنه بعث جديد. وقد استخدم القرآن الكريم هذا التقابل ذاته في وصف تعاقب الليل والنهار الذي أجراه الله ﷻ على الناس كافة، لا عليه وحده:

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاسًا وَٱلنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورًا

— سورة الفرقان، 25:47.

إن الكلمة التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم عند استيقاظه - “النشور” - هي ذات الكلمة التي خُتمت بها الآية. فالاستيقاظ هو استرداد مصغر لجزء من ذلك المآل الأكبر الذي ينتظرنا. ومن يسمي استيقاظه بهذا الاسم صبيحة كل يوم، فقد جعل البعث حاضراً في وجدانه لا محالة قبل أن يبدأ يومه فعلياً.

ما كان يحفظه في ليله

وتصف عائشة رضي الله عنها عملاً ختامياً لا علاقة له بهيئة أو ألفاظ، واظب عليه حتى حين أضعفه المرض عن القيام به بنفسه:

كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ

— صحيح البخاري، حديث رقم 5748، الصفحة المطبوعة 7/133 من .

لم يكن هذا الإجراء احترازاً عابراً يُدخر لليالي القلقة، بل كان عادة ليلية داوم عليها طويلاً وبثبات مكّن عائشة من تسمية السور وتحديد الحركة بدقة من ذاكرتها. وقد بلغت من الرسوخ أنه حين سلبه المرض قوة يديه، لم يتوقف الفعل ذاته، بل تغير فقط من يقوم به. إن التمسك بتلاوة الختام بهذه القوة، حتى في الأوقات التي كان من الأسهل فيها تركها، لهو أبلغ دليل على مكانتها في نفسه من أي وصف لأجرها.

ليلٌ يتجه نحو ثلثه الأخير

لم يكن أي من هذا يهدف إلى الراحة في حد ذاتها. وقد نقل أبو هريرة السبب الذي جعل الليل يتخذ هذا النسق:

يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ

— صحيح البخاري، حديث رقم 1145، الصفحة المطبوعة 2/53 من . وقد أورده البخاري في الأبواب التي خصصها للتهجد.

أعد قراءة هذا التسلسل كاملاً واضعاً هذا الحديث في نهايته، وستتوقف عن رؤية تلك العادات السابقة كمجرد مجموعة متناثرة من الآداب. فالنوم المبكر لم يكن يوماً من أجل الراحة فحسب، بل لضمان بقاء ثلث أخير من الليل يستيقظ فيه المرء. والطهارة، والهيئة، والتلاوة، هي الزاد الذي يحمله المرء إلى تلك الساعة التي تكون فيها أبواب الإجابة مشرعة. وقد أمره الله ﷻ بذلك صراحة:

وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا

— سورة الإسراء، 17:79.

إن الليل الذي يبدأ مبكراً، ويُختتم على طهارة، ويحمل كلمات محددة في بدايته ونهايته، ليس ممارسة منفصلة عن التهجد؛ بل هو تهيئة له، تُبنى قبل ساعاته بوقت طويل. ويمكن لأدوات الصلاة في معرض القرآن أن تساعد في تحديد بداية الثلث الأخير من الليل بدقة، لكل من يبتغي الاستيقاظ فيه.

متابعة

Etiquettes

اسأل

اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو

كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.

يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.

تابع المدونة خلاصة RSS خلاصة JSON