قرآن غاليري المدونة · المقالات
وجبتان تعلمان الشكر: البركة في السحور والإفطار
شربة ماء عند الغروب وبضع تمرات قبل الفجر تبدو أموراً عادية في أي يوم آخر من أيام السنة. أما في رمضان، فقد أطلقت السنة النبوية اسماً على كل منهما؛ فجعلت في إحداهما بركة، وفي الأخرى فرحة معدودة، لتعلمنا من خلال هذه التسمية كيف يكون الشكر الحقيقي على النعم المعتادة.
رمضانقراءة 5 دقيقة5 مصدرFastingالجزء 4 من 4
الكاتب:The Quran Gallery team
لا نشعر عادة بأن الماء هبة. فهو في متناول أيدينا طوال اليوم، نملأ أكوابنا منه دون تفكير، حتى يأتي يوم نفتقده فيه، فتصبح كأس الماء لساعات قليلة أقصى ما نتمناه في هذا العالم. والصيام يفعل الشيء ذاته على مدار شهر كامل مع وجباتنا المعتادة. فهو لا يخلق الشكر من عدم، بل يغيب عنا شيئاً مألوفاً لفترة تكفي لنشعر بفقده، ثم يعيده إلينا ضمن إطار من التسمية والتوقيت يحيط بلحظة العطاء هذه، فلا تمر اللحظة دون أن نلقي لها بالاً كما يحدث عادة مع أي وجبة عادية.
وقد نص القرآن الكريم على أن هذا هو المقصد من الصيام في الآية ذاتها التي شرعته، وذلك مباشرة بعد بيان الحكم الشرعي برحمة تغلب المشقة؛ فمن شهد الشهر فليصمه، ومن عاقه مرض أو سفر فليقضِ ما فاته في أيام أخر، لأن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر:
شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ — سورة البقرة، 2:185
لا تقف الآية عند حدود الحكم الشرعي، بل تختتم بسلسلة من ثلاث غايات: إكمال العدة، وتكبير الله على الهداية، والشكر. وتسمي الغاية الأخيرة تحديداً الحالة التي شُرع هذا الأمر كله لإحداثها. فالشكر هنا ليس مجرد شعور خفي قد يظهر أو لا يظهر بعد انقضاء الشهر، بل هو جزء أصيل من بنية العبادة ونتيجتها المقصودة، تماماً كما جُعل اليسر جزءاً من بنية الرخص فيها.
فرحة تأتي في موعدها
هناك لحظتان في اليوم الواحد من أيام رمضان تحملان ثقل هذا المقصد بشكل مباشر، ولا تنتظر أي منهما أن يتذكر العابد أن يشعر بالامتنان. فقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نقل عن ربه عز وجل حديثاً قدسياً يخص الصيام، ويميزه عن سائر العبادات:
إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ — صحيح مسلم، حديث 1151، الصفحة المطبوعة 2/807 من .
يستهل الحديث بيانه بأن كل عمل صالح يُضاعف أجره بمقدار محدد، إلا الصيام الذي استُثني من هذا الحساب تماماً، إذ نسبه الله تعالى لنفسه وتولى جزاءه مباشرة، والسر في ذلك أنه يقوم على الترك والتخلي لا على الزيادة والفعل. والفرحة التي تعقب ذلك ليست متروكة للصدفة أيضاً، بل هي فرحتان معدودتان لا تزيدان؛ إحداهما تحل في اللحظة الدقيقة التي يعود فيها الطعام حلالاً، والأخرى لا تزال مؤجلة إلى لقاء لم يبلغه الصائم بعد. يضع الحديث فرحة جسدية عادية — زوال الظمأ وتلبية نداء الجوع أخيراً — في الجملة ذاتها مع فرحة لا تمت للجسد بصلة، وكأن الفرحة الصغرى وُجدت لتكون تمهيداً للكبرى لا لتقصر عنها.
ولا يُترك توقيت حلول تلك الفرحة الأولى لاختيار الفرد أيضاً. فقد روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربط خير الأمة كلها بسرعة إفطارها:
لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ — صحيح البخاري، حديث 1957، الصفحة المطبوعة 3/36 من .
إن تأخير الإفطار بعد غروب الشمس احتياطاً، أو رغبة في إظهار المزيد من التنسك، لا يجلب أي أجر هنا، بل التعجيل هو ما يجلبه. إنه توجيه يسير، لكنه يعيد صياغة اليوم بأكمله حول فكرة واحدة: كل ما امتنعنا عنه منذ الفجر كان امتثالاً لتوقيت الله، وفي اللحظة التي تغرب فيها الشمس، يسري المنطق ذاته في الاتجاه المعاكس. فالأكل يبدأ الآن لأن توقيته سبحانه قد حان، وليس لأن الجوع قد انتصر أخيراً في معركة كان يخوضها طوال اليوم بمفرده.
أول ما تمتد إليه اليد
وقد وصف أنس بن مالك، الذي أمضى سنوات في بيت النبوة وكانت لديه كل فرصة لملاحظة هذه التفاصيل، ما كان يملأ تلك اللحظة الأولى المتعجلة بدقة:
كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ على رُطَبَاتٍ قبل أن يصلي، فإن لم تكن رُطَبَاتٌ فعلى تَمَرَاتٍ، فإن لم تكن تَمَراتٌ حسا حسوَاتٍ من ماء — سنن أبي داود، حديث 2356، الصفحة المطبوعة 4/39 من . وقد حكم محققو الطبعة بصحة إسناده.
رطبات، ثم تمرات، ثم ماء إن لم يتوفر أي منهما؛ ترتيب ينتهي في أدنى درجاته عند أبسط مادة افتقدها جسد الصائم طوال اليوم. لا يتطلب أي شيء في هذا الترتيب ثراءً أو تحضيراً مسبقاً؛ إنها الوجبة التي يفطر عليها المرء حين لا يجد في بيته شيئاً آخر، ومع ذلك يحفظ الحديث هذا الترتيب باعتباره الخيار المفضل، لا مجرد بديل اضطراري. فالبساطة هنا ليست أمراً عارضاً في هذه السنة، بل هي جوهرها.
وما يُقال بعد ذلك مباشرة هو ما يستحق التوقف عنده بعناية، لأن العادة الشائعة والحالة الفعلية للرواية لا يتطابقان تماماً كما يُفترض غالباً. فالكثير ممن يفطرون يرددون دعاءً قصيراً يرجون فيه قبول صيام يومهم:
ذهب الظمأ وابتلَّت العُرُوقُ وثبتَ الأجر إن شاء اللهُ — سنن أبي داود، حديث 2357، الصفحة المطبوعة 4/40 من . وقد حكم محققو الطبعة على إسناده بأنه حسن — تبعاً لتقييم الدارقطني وابن حجر للرواية ذاتها — وهو درجة واحدة دون مرتبة الصحيح التي نالها حديث الفرحتين المذكور آنفاً، ولا يساويه.
هذا التمييز ليس سبباً لترك هذا الدعاء. فالإسناد الحسن حجة معتبرة في ذاته، وعلى هذا الأساس يُردد هذا الدعاء عند الإفطار منذ قرون. لكنه سبب لقول هذه الكلمات بوعي وصدق، بدلاً من ترديدها وكأن درجة ثبوتها تماثل الرواية التي تُقرأ عادة بجانبها. فالشكر المبني على ادعاء لم يتحقق منه أحد ليس شكراً حقيقياً على شيء يقيني، بل هو شكر على شائعة حول شيء يقيني، وهذا الفارق يكتسب أهمية كبرى، لا صغرى، في اللحظة الدقيقة التي يشكر فيها المرء ربه على إنجاز وعده.
الوجبة الخفية
إذا كان الإفطار هو الوجبة التي تختتم اليوم في جماعة — مائدة مشتركة، وأذان يُرفع، وفرحة يصفها الحديث السابق بأنها تُستشعر ولا تُصطنع — فإن السحور يكاد يكون نقيض ذلك. فهو يقع قبل الفجر، وغالباً ما يكون المرء فيه وحيداً أو مع قلة من المستيقظين، في ساعة يغط فيها معظم أهل المدينة في نوم عميق. وأنس بن مالك هو الراوي هنا أيضاً، لكنه هذه المرة ينقل توجيهاً صريحاً بدلاً من وصف ما شاهده:
تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً — صحيح البخاري، حديث 1923، الصفحة المطبوعة 3/29 من .
يورد البخاري هذا الحديث تحت عنوان باب يسهل تجاوزه رغم أنه يستحق التوقف عنده: باب بركة السحور من غير إيجاب. فالسحور لا يحمل أي إلزام شرعي في ذاته؛ وتركه لا يبطل شيئاً، ولا يلحق النائم عنه أي إثم. ومع ذلك، يسميه البخاري بركة في السياق ذاته الذي ينفي فيه وجوبه، وهذا الاقتران ليس عشوائياً. فالواجب يفرض الامتثال سواء أدرك المرء غايته أم لم يدركها. أما البركة المرتبطة بأمر مستحب، فلا تؤدي عملها إلا إذا التُفت إليها؛ وهذا بالضبط ما صُمم وعد البركة — الممنوح لقيمات تُؤكل في ساعة لا يراقبك فيها أحد — ليحدثه: أن تأكل هذا الطعام المعتاد على أي حال، ولتكن تسميته بالبركة هي الدافع لذلك.
بين هاتين الوجبتين، تكتمل صورة اليوم الذي يتطلبه الصيام: ساعة قبل الفجر لا يراقبك فيها أحد، ولحظة عند الغروب يجتمع فيها الجميع حول المائدة. إحداهما تُسمى مباركة دون أن تُفرض على أحد، والأخرى تتبعها — في اللحظة ذاتها التي يُلبى فيها نداء الجوع — فرحة يحسبها الله تعالى مرتين. لا يحتاج رمضان إلى ثلاثين يوماً ليوصل رسالته حول النعم المعتادة التي ينسيها الشبع. بل يحتاج فقط إلى هاتين الوجبتين، تتكرران كل مساء وكل فجر، حتى يصبح هذا التكرار ذاته هو ما يبقى في الذاكرة أخيراً.
متابعة
Fasting · الجزء 4 من 4
ذات صلة
Fasting· الجزء 3 من 4 شهر من التدريب على ضبط النفس: الصيام كبرنامج عملي لتعلم الصبر للصيام ركن أساسي واحد: الامتناع عن أمر مباح تماماً، وفق جدول زمني محدد، حتى يصبح الامتناع بحد ذاته مَلَكَةً مكتسبة. فما الذي يكشفه توجيه النبي صلى الله عليه وسلم للتعامل مع الإساءة أثناء الصيام عن الحكمة من اختيار هذا التدريب بالذات؟ وما الدليل على نجاح هذا التدريب وانتقال أثره إلى واقع الحياة؟ Fasting· الجزء 2 من 4 لم يكن الغرض من الصيام يوماً هو الجوع: الغاية التي نص عليها القرآن الصيام هو العبادة الوحيدة التي نُص على غايتها في ذات الآية التي شرعتها: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". ويوضح حديث في صحيح البخاري عن قول الزور كيف يبدو الأمر حين يُؤدى الصيام في ظاهره كاملاً، بينما تُفتقد غايته الحقيقية. Fasting· الجزء 1 من 4 حلال في الليل، حرام في النهار: كيف يعيد الصيام ترويض الشهوات يبيح القرآن الكريم في الليل ما يمنعه في النهار، مستخدماً لفظاً واحداً للحكمين. ويوجه أحد الأحاديث النبوية هذا اللفظ ذاته إلى اللسان بدلاً من الجسد، بينما يوضح حديث آخر السبب: لم يكن الصيام يوماً مجرد حكم يتعلق بالمعدة، بل إن الطعام هو ببساطة الشهوة التي يمكن للنهار أن يضبطها.
اسأل
اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو
كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.
يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.
