دروس الشيخ عائض القرني
الحث على التعلم
الرسول ﵊ يقول كما في الصحيحين من حديث معاوية خال المؤمنين ﵁ وأرضاه: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ إي والله، فمن يريد الله أن يرفع رأسه وأن ينير بصيرته وأن يعظم شأنه يفقهه في الدين.
ومفهوم المخالفة في الحديث: أن من لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، وهل يحسد على شيء في الدنيا؟
إن كان يحسد على شيء في الدنيا فليحسد على العلم، ولذلك يقول ﵊ كما في الصحيحين برواتين مختلفتين عن ابن مسعود وابن عمر ﵃: ﴿لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار﴾ وفي رواية أخرى ﴿رجل آتاه الله الحكمة فهو يتعلمها ويعلمها الناس﴾.
والرسول ﵊ يقف للأمة ويقول: ﴿من سلك طريقاً يتلمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ فقم يا طالب العلم، وقم يا أيها الشاب، وقم أيها المتجه في ركب الصحوة واجلس في حلق الذكر، وزاحم العلماء بالركب، فإن الملائكة تظلك بأجنحتها، وتضع لك الأجنحة رضاً بما تصنع، وطريقك ميسور مسهل إلى الجنة.
وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصلياً
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا
ويقول ﵊: ﴿بلغو عني ولو آية﴾ رواه مسلم وغيره، يقول: (بلغوا عني) والبلاغ لا يأتي إلا بالعلم، فالله الله ولو آية، الله الله ولو حديث، ليكون لك موقف يوم القيامة، لتشرب من الحوض المورود الذي طوله شهر وعرضه شهر، وعدد آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، وأول ما يشرب منه من بلغ الرسالة إلى الناس.
والرسول ﵊ يتحدث عن العلم فيثني عليه كثيراً فيقول: ﴿الدنيا معلونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم﴾ رواه الترمذي وابن ماجة بسندين حسنين، ويقول ﵊: ﴿إن معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، وحتى النملة في جحرها﴾ هذا الحديث رواه الترمذي وغيره وسنده حسن.
إلى أحاديث أخرى يستفيض فيها ﷺ في ذكر العلماء وطلبة العلم، وهو يقول في حديث أبي الدرداء عند الترمذي: ﴿من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ ثم يقول ﵊: ﴿وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يخلفوا درهماً ولا ديناراً، وإنما خلفوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر﴾ رواه الترمذي وغيره بأسانيد حسنة.
ويدعو ﷺ إلى التعليم، فيقول: في حديث علي رضى الله عنه المتفق عليه: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ فهداية الرجل الواحد إنما هو بالعلم.
ولذلك ذكر ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين أن الجود منزلة الكرم، ثم قال: وأعظم الجود الجود بالعلم، فالجود بالعلم هو أعظم من الجود بالوقت وبالجاه وبالمال، وإنما يجود من تعلم وعلم الناس، والرسول ﵊ إنما بعث معلماً، وهذا الحديث في سنده نظر، ولكن رسالته تشهد بذلك ﵊، وأنه إنما بعث ليعلم الناس، وأن مهمته التعليم عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ ومن يرد الله به خيراً يوجهه إلى الكتاب والسنة، ومن يرد الله به خيراً يقوده إلى العلم الشرعي، ليعيش هذه الصحوة المباركة.