دروس الشيخ عائض القرني
الفقه في الدين وفضله
استفدنا من الحديث: أن علم الحديث الأصيل هو ما أفاد ونفع في الدنيا، أما من لم يتجه إليه, أو تشاغل عن علم الكتاب والسنة، فإنه ليس بنافع علمه ولا أصيل ولا مفيد, ويقول ﵊، كما في الصحيحين من حديث معاوية ﵁ وأرضاه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾.
فدل الحديث على أن الفقه في الدين وتعلم أحكامه وأسراره هو العلم الأصيل، ولذلك يقول بعض أهل العلم: أثر عن بعض الصوفية أنه كان في بيت المقدس له زاوية, فكان هذا الصوفي جالساً مع الناس في بيت المقدس، فلما صلى العشاء قام إلى زاوية من زوايا المسجد، وقام عالم من العلماء يدرس الناس كتاب الحيض بعد صلاة العشاء، وأما ذاك الصوفي فإنه يقول: حي حي، حي حي، ولما قرب الفجر قام الصوفي على هذا العالم وقال له: وصل الواصلون إلى الله, وأنت في كتاب الحيض، قال: بماذا؟ قال: لقد قلت حي حي كذا كذا ألف، وأنت تدرس الناس كتاب الحيض، قال: نسأل عالم المسلمين أبا علي الروذباري، فذهبا يسألانه، قال: ما عندكما؟ قال الصوفي: أما أنا فجلست أتصل بالله, وأذكر الله, وأقول حي حي، وأما هذا فجلس بعد صلاة العشاء يعلم الناس الحيض، فقلت: وصل الواصلون والعارفون، وأنت ما زلت في كتاب الحيض، فقال أبو علي: نعم.
وصل الواصلون من أمثالك, ولكن وصلوا إلى سقر، وذلك لأنه عطل نفسه من العلم النافع، والأمر الثاني: أنه ابتدع ذكراً ما أتى به ﷺ، هل علم ﷺ الناس أن يقولوا: حي حي، وهل هذا ذكر؟
وابن عربي الطائي صاحب الفتوحات، يقول: هو هو، فهو ينبح مثل الكلب، ويسمى "ذكر الضمير" حتى يقول: إذا بلغ هذه الكلمة فيكررها وهو الذكر الخالص، ويقول في قوله ﷿: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤] قال: إذا نسيت الله فقد ذكرت الله، وقالوا في قوله ﷾: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] يعني: الصحابة في أحد , قال الله ﷿ فيهم، معنى الآية: أن الله مدح بعض الصحابة يعني: أن منكم من يريد الغنائم ومنكم من يريد الجنة، فصفقت الصوفية وقالوا: الله المستعان! وأين الذين يريدون الله؟ فأبطلوا الطائفتين، وخطئوا الفريقين.
يقول ﷺ: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ طلب الأحكام أجل عبادة، ولذلك يقول الإمام الشافعي ﵀: "لأن أتعلم حديثاً خير من أن أصلي"، وسأله سائل: أجلس أتعلم الحديث أو أتنفل؟ قال: "تعلم الحديث" وهذا الكلام فيه تحفظات، ومحترزات, سوف ترد مناسبته إن شاء الله.