دروس الشيخ عائض القرني
فترة انقطاع الوحي
قال المؤلف ﵀: "باب فترة الوحي" بعد أن أنزل على الرسول ﵊ الوحي لأول مرة في غار حراء، وهي سورة العلق، فتر الوحي عنه ﵊، لم ينزل من السماء شيء ولم يأته جبريل، قيل: هذه الفترة كانت أربعين ليلة، لم يجد ﷺ فيها وحياً ولم ينزل عليه قرآن، فأتاه من الخوف ما الله به عليم، وحزن ﷺ واغتم؛ لأنه كان يطمع أن يكون -كما نزل عليه الوحي- رسول هذا العالم، وأن ينزل عليه الله هذا النور، وأن يأتيه هذا الوحي وهذا العلم، كما قال ﷾: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣].
فلما وصل إلى هذه المرتبة فتر الوحي عنه ﵊، فاهتم هماً لا يعلمه إلا الله، حتى يذكر في بعض الروايات أنه كان يشرف ﷺ من كثرة الهم من رأس بعض الجبال ليتردى، يريد أن يرمي بنفسه ﵊ بعد هذه المأساة العظيمة، وبعد هذا الانقطاع الهائل من الوحي، وكانت تمر به عجوز، فتسأل، تقول: هل نزل عليه وحي؟
فيقولون: لم ينزل وحي، قالت: قلاه ربه، تركه شيطانه.
تقول: الشيطان الذي كان ينزل عليه تركه، وتعالى الله عما يقول هؤلاء علواً كبيراً، وتكرم ﵊ عن هذه العبارة، قالت: تركه شيطانه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣] هذا قسم بالضحى، وبالليل إذا أظلم، أن الله ما ودعك وما تركك ولا هجرك ولا قلاك ولا أبعدك، وأنك ما زلت حبيباً وخليلاً وقريباً ومكرماً، وبينما الرسول ﷺ يسير، سمع هاتفاً يهتف، فالتفت، فإذا الملك بين السماء والأرض وإذا هو يخاطبه على كرسي، وأنزل الله عليه ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢].
هذه هي فترة الوحي أربعون ليلة، انقطع الوحي فيها، والسبب في ذلك: ليشتاق الرسول ﵊ للوحي، وأن يكون أكثر اشتياقاً له؛ ولذلك يقول بعض الفضلاء والحكماء: إذا أردت من أخ أن يتحبب إليك فحاول أن تبتعد عنه قليلاً، فإنه سوف يتعلق بك أكثر، فإن بعض الناس إذا تعلقت به حاول أن يبتعد عنك، فالله ﷾ -وله المثل الأعلى- أراد أن يشوق رسوله ﵊ إلى الوحي، ففتر الوحي أربعين ليلة ثم اتصل، أما قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] فإنه لما رجع ﵊ -هذه غير رجعة الغار- رجع وهو ينتفض ويرتعد ﵊ ويقول: ﴿دثروني دثروني﴾ مثل: ﴿زملوني زملوني﴾ أي: ألحفوني، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٤] قيل: معنى ثيابك فطهر أي: طهرها من النجاسات وهذا شرطٌ في الصلاة، وقيل: من الأدناس والأوضار، وقيل: طهِّر عرضك من كل ما يصم العرض ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] قيل: الرجز الصنم لا تعبده، وقيل: الرجز العذاب، يقول: كلما يستوجب عذاب الله وغضب الله فاهجره واتركه، هذا هو الرجز، فاهجر: اترك (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) يقول: لا تعط الناس عطية، وأنت تطمع أن يردوا عليك عطية أكثر منها؛ لأن هذا منٌ واستكثار من عطايا الناس، هذا توجيه الله له.