İçeriğe geç

قواعد الأحكام في مصالح الأنام فصل في بيان أقسام العبادات والمعاملات فائدة التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد

قواعد الأحكام في مصالح الأنام

عز الدين بن عبد السلام

Basılı sayfa ٢/ ٧٤

يُوجَدَ شَيْءٌ مِنْهَا مِمَّا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، بَلْ الْكُلُّ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ، وَلَوْ عَاقَبَ مِنْ غَيْرِ كُفْرٍ وَعِصْيَانٍ لَكَانَ عَدْلًا مُقْسِطًا، وَلَوْ أَثَابَ مِنْ غَيْرِ طَاعَةٍ، وَإِيمَانٍ لَكَانَ مُتَفَضِّلًا، وَقَدْ أَجْرَى أَحْكَامَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَسْبَابٍ رَبَطَ بِهَا لِيَعْرِفَ الْعِبَادُ بِالْأَسْبَابِ أَحْكَامَهَا لِيُسَارِعُوا بِذَلِكَ إلَى طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ إذَا وَقَفُوا عَلَى الْأَسْبَابِ، فَأَمَرَ الْمُكَلَّفِينَ كُلَّهُمْ وَنَهَاهُمْ، وَدَعَاهُمْ إلَى طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ وَاقْتَضَاهُمْ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَعْصُونَهُ وَلَا يُطِيعُونَهُ، وَيُخَالِفُونَهُ وَلَا يُوَافِقُونَهُ لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِي ذَلِكَ فِيهِمْ وَنُفُوذِ إرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ عَلَيْهِمْ.

فَإِنْ قِيلَ: إذَا عَلِمَ مِنْهُمْ ذَلِكَ فَلِمَ وَجَّهَ الْخِطَابَ إلَيْهِمْ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ لَا يُطِيعُونَ وَلَا يَمْتَثِلُونَ، وَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنْهُمْ مَا يُخَالِفُ عِلْمَهُ فِيهِمْ، وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَبْدِيلِ عِلْمِهِ، وَلَا عَلَى تَغْيِيرِ حُكْمِهِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ كَلَّفَهُمْ بِمَا لَا يُطِيقُونَ؛ لِأَنَّ مَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَوَاجِبٌ أَلَّا يَكُونَ، وَمَا عَلِمَ أَنْ يَكُونَ فَوَاجِبٌ حَتْمٌ أَنْ يَكُونَ.

قُلْنَا: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ تَوَجُّهَ الْخِطَابِ إلَى الْأَشْقِيَاءِ الَّذِينَ لَا يَمْتَثِلُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ، وَلَا يَجْتَنِبُونَ مَا نُهُوا عَنْهُ، لَيْسَ طَلَبًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ وُضِعَتْ عَلَى شَقَاوَتِهِمْ، وَأَمَارَةٌ نُصِبَتْ عَلَى تَعْذِيبِهِمْ، إذْ لَا يَبْعُدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ، وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وَكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] ، وَلَا اسْتِبْعَادَ فِي تَعْذِيبِ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ وَلَمْ يُخَالِفْ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي إيلَامِ الْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ وَالصِّبْيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

وَكَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: