İçeriğe geç

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني ذكر ما روي من حكم رسول الله ﷺ في تمكين المرأة من فراق زوجها إذا أعسر بنفقتها

زاد المعاد في هدي خير العباد - ت الرسالة الثاني

ابن القيم

Basılı sayfa ٥/ ٤٦١

وَالثَّالِثَةُ: ذَكَرَ ابن وهب عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ محمد بن عبد الرحمن أَنَّ رَجُلًا شَكَى إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِأَنَّهُ أَنْكَحَ ابْنَتَهُ رَجُلًا لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى الزَّوْجِ، فَأَتَى، فَقَالَ: أَنْكَحَنِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي شَيْءٌ، فَقَالَ عمر: أَنْكَحْتَهُ وَأَنْتَ تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا الَّذِي أَصْنَعُ؟ اذْهَبْ بِأَهْلِكَ.

وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّفْرِيقِ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كُلِّهِمْ، وَقَدْ تَنَاظَرَ فِيهَا مالك وَغَيْرُهُ فَقَالَ مالك: أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. فَقِيلَ لَهُ، قَدْ كَانَتِ الصَّحَابَةُ ﵃ يُعْسِرُونَ وَيَحْتَاجُونَ، فَقَالَ مالك: لَيْسَ النَّاسُ الْيَوْمَ كَذَلِكَ؛ إِنَّمَا تَزَوَّجَتْهُ رَجَاءً.

وَمَعْنَى كَلَامِهِ: أَنَّ نِسَاءَ الصَّحَابَةِ ﵃ كُنَّ يُرِدْنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُنَّ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَكُنَّ يُبَالِينَ بِعُسْرِ أَزْوَاجِهِنَّ؛ لِأَنَّ أَزْوَاجَهُنَّ كَانُوا كَذَلِكَ. وَأَمَّا النِّسَاءُ الْيَوْمَ فَإِنَّمَا يَتَزَوَّجْنَ رَجَاءَ دُنْيَا الْأَزْوَاجِ وَنَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ، فَالْمَرْأَةُ إِنَّمَا تَدْخُلُ الْيَوْمَ عَلَى رَجَاءِ الدُّنْيَا، فَصَارَ هَذَا الْمَعْرُوفُ كَالْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ، وَكَانَ عُرْفُ الصَّحَابَةِ وَنِسَائِهِمْ كَالْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ، وَالشَّرْطُ الْعُرْفِيُّ فِي أَصْلِ مَذْهَبِهِ كَاللَّفْظِيِّ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى مالك كَلَامَهُ هَذَا مَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ وَيَفْهَمْ غَوْرَهُ.

وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ حُبِسَ حَتَّى يَجِدَ مَا يُنْفِقُهُ، وَهَذَا مَذْهَبٌ حَكَاهُ النَّاسُ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ وَصَاحِبِ " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِمَا عَنْ عبيد الله بن الحسن العنبري قَاضِي الْبَصْرَةِ. وَيَالَلَّهِ الْعَجَبُ! لِأَيِّ شَيْءٍ يُسْجَنُ وَيُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ عَذَابِ السِّجْنِ وَعَذَابِ الْفَقْرِ وَعَذَابِ الْبُعْدِ عَنْ أَهْلِهِ؟ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، وَمَا أَظُنُّ مَنْ شَمَّ رَائِحَةَ الْعِلْمِ يَقُولُ هَذَا.

وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُكَلَّفُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي محمد ابن حزم، وَهُوَ خَيْرٌ بِلَا شَكَّ مِنْ مَذْهَبِ العنبري. قَالَ فِي " الْمُحَلَّى ": فَإِنْ عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ، وَامْرَأَتُهُ غَنِيَّةٌ