تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: كيف يكونُ لهؤلاء المشركين الذين نقَضُوا عهدَهم، أو لمَن لا عهدَ له منهم منكم، أيُّها المؤمنون عهدٌ وذِمَّةٌ، وهم ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يَغْلِبُوكم، ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾.
واكْتُفِى بـ "كيف" دليلًا على معنى الكلامِ؛ لتقدُّمِ ما يرادُ مِن المعنى بها قبلَها. وكذلك تَفْعَلُ العربُ، إذا أعادَت الحرفَ بعدَ مُضِيِّ معناه، استَجازوا حَذْفَ الفعلِ، كما قال الشاعرُ (١):
وَخَبَّرْتُمانى أنما الموتُ في القُرَى … فيكفَ وهَذِى هَضْبَةٌ وكَثيبُ
فحَذَف الفعلَ بعدَ "كيف" لِتَقدُّمِ ما يرادُ بعدَها قبلَها. ومعنى الكلامِ: فكيف يكونُ الموتُ في القُرَى، وهذى هَضْبةٌ وكَثيبٌ، لا يَنْجُو فيهما منه أحدٌ؟
واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يَرْقُبوا الله فيكم ولا عهدًا.
[— بداية ص ١١/ ٣٥٥، page_id=7730 —]
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾. قال: الله (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] قال: مثلُ (٢) قولِه: جَبْرائيلُ مِيكائيلُ إسْرافيلُ. كأنه [يقولُ: يضيفُ] (٣) جَبْرَ ومِيْكا وإسْرافَ إلى "إيل". يقولُ عبدُ اللهِ ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾. كأنه يقولُ: لا يَرْقُبون الله.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنى محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾: لا يُراقِبون (٤) الله ولا غيرَه (٥).
وقال آخرون: الإلُّ (٦): القَرابةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾. يقولُ: قَرابَةً ولا عَهْدًا.